Translate

الأربعاء، 29 مايو 2013

حضارة الدلمون الغامضة


أعمال الحفائر في البحرين تميط اللثام عن إحدى أقدم الحضارات

_____
قال علماء الآثار إن موقع "سار" الذي أصبح مدينة حديثة نشطة تزخر بوجود المطاعم والمتاجر كشفت فيها الحفائر الأثرية عن إحدى أقدم الحضارات التجارية.
وقد خضع الموقع الأثري في البحرين، الذي يعتقد أنه موقع يضم حضارة الدلمون الغامضة، لمناقشات خلال مؤتمر عقد في العاصمة المنامة برعاية منظمة التربية والعلوم والثقافة (يونسكو) التابعة للأمم المتحدة.
وخصص المؤتمر لطرح مناقشات واسعة النطاق تتعلق بسياحة التراث، والبحرين هي المقر الاقليمي لمنظمة (يونيسكو) وأحد أبرز معالم الجذب لها وفرة المواقع القديمة بها.
وفي سار، (التي سميت باسم أقرب قرية حديثة) وتتميز بشمسها الحارقة، شرح أحد علماء الآثار البحرينيين باستفاضة لمجموعة من العاملين كيفية إقامة جدار منخفض في حالة اشبه بالانهيار.
ويمثل هذا الترميم الدقيق لموقع أثري نقطة تحول على طريق الاختصاصيين البحرينيين إذ يحوي مخزونا كبيرا من الآثار التاريخية في البلاد.
وقال سلمان المهاري، عالم الآثار بحريني، إن موقع سار ينقسم الى قسمين: منطقة سكنية، وهي منطقة تقع على مساحة صغيرة، ومقابر، يدفن فيها السكان موتاهم.
واضاف "هذا الموقع يتيح الكثير من المعلومات بشأن الحياة اليومية، كما يمكننا من مقارنة النتائج هنا بالقطع التي كشف عنها في مواقع أخرى في البلد. وهي دليل على أن هذه المدينة ومقابرها تعود إلى فترة حضارة ديلمون المبكرة."
ملتقى الحضارات
وحضارة ديلمون، التي تعد واحدة من أهم الحضارات القديمة في المنطقة ويقال إنها تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، كانت مركزا لطريق التجارة بين حضارة الميسوبوتاميا، وهي من أقدم حضارات العالم، وحضارة وادي السند في جنوب اسيا.
كما يعتقد أن حضارة ديلمون كانت تربطها روابط تجارية مع المواقع القديمة مع حضارات إيلام في عمان وإبلا في سوريا والحيثيين في تركيا.
ويؤكد سلمان المهاري إن فريق العمل حاليا يسعى إلى الحفاظ على ما عثر عليه لضمان الاستفادة من المكتشفات التاريخية.
واضاف "على مدار 4000 عام كان هذا الموقع مدفونا تحت الارض وهو ما ساعد في حفظها، وقد كشف عنه حاليا بعد الحفائر، ونحن لا نعتزم الآن اجراء المزيد من الحفائر، نريد أن نحمي الموقع وتفسير ما كشفنا عنه للزائرين."
وموقع سار أبعد من أن يصنف ضمن أهم مواقع الاطلال الاثرية خلال حقبة ديلمون. فعلى الطرف الشمالي للبلاد جرت اكتشافات أثرية لسبع مراحل متعاقبة لقرى في منطقة قلعة البحرين. وتحت هذه القلعة الأقدم الكبيرة جرى الكشف عن ثلاث مدن متتالية للديلمون فضلا عن اكشاف مدينة رومانية يعود تاريخها إلى عام 200 قبل الميلاد.
والموقع رائع، وتضم الجدران الخارجية منطقة تبلغ مساحتها مئات الامتار المربعة، حيث يقبع في منتصفها أحجار كبيرة انحنائية الشكل تمثل المدخل فضلا عن وجود جدران لغرفة تحتوي على مذبح كانت تضم يوما ما أعمدة مكسوة بالنحاس.
وإلى جانب البناية الأخرى يشير العثور على عظام سوداء لحيوانات وأرض متفحمة إلى أنها كانت غرفة تستخدم لتقديم القرابين للآلهة.
وعلى الجانب الآخر من المذبح، الذي يتوسط الموقع، تفضي مجموعة من درجات سلم منحني إلى أسفل إلى حوض عميق حجري البناء على نحو محكم فوق أحد ينابيع المياه المتعددة تحت الأرض حيث كان من المعتقد أن الاله إنكي، أحد الآلهة السومارية الرئيسية الثلاثة وهو اله الحكمة الذي كان يسكن في المياه، كان يعيش في هذا المكان.
وكانت المياه الحلوة الوفيرة المتدفقة من الينابيع، التي مازالت تمد البلاد بالكثير من مياه الشرب، من الاشياء المهمة لحضارة ديلمون.
وكانت الجزيرة واحة خصبة في العصور القديمة في منطقة مقفرة، وكان هذا منشأ الاسطورة التوراتية بأن البحرين ربما هي موقع جنات عدن.
النظم العقائدية
يقول عبد الله حسن يحيى، حارس قلعة البحرين، إن الطبيعة الخصبة للجزيرة شجعت على ما هو أكثر من الزراعة (وإن كانت ديلمون اشتهرت بانتاج الخضراوات)، فهناك أدلة دامغة على ممارسات شعائر دينية واعتناق معتقدات يمكن مقارنتها بتلك التي وجدت في مجتمعات أخرى متقدمة في هذا العصر.
واضاف "كان للنظام العقائدي هنا الكثير من أوجه الشبه مقارنة بتلك التي عرفتها حضارة الميسوبوتاميا وحضارة مصر القديمة. حيث برز الايمان بالعالم الآخر وهو ما يتضح من خلال دفن الموتى إلى جانب متعلقاتهم مثل الأدوات والغذاء وآنية الشرب والذهب، كما عثرنا ايضا على أسلحة."
وقال يحيى إن تجار ديلمون قد احتكروا تجارة النحاس والسلع الثمينة التي كان يجري شحنها من مناجم عمان الى مدن حضارة الميسوبوتاميا. لكنه يدحض نظرية تقول إن البحرين ربما استخدمها السكان القدامى في حقبة ما قبل التاريخ للبر الرئيسي العربي كمدافن.
وتضم الجزيرة نحو 170 ألف مدفن على مساحة تصل الى 30 كيلومترا مربعا أو ما يمثل 5 في المئة من مساحة الجزيرة الرئيسية.
ويعود تاريخ معظم المقابر إلى القرن الثاني والثالث قبل الميلاد، غير أن بعضها وهو الأحدث يعود تاريخه إلى ألفي عام.
وقد عثرعلى أقدم مدفن وأكبرها، وهي "مقبرة ملكية"، وهي بارتفاع 15 مترا و قطر 45 مترا
جذب الجمهور
ويوافق عالم الآثار سلمان المهاري على ذلك ويقول "كان هناك عدد من المراكز السكانية الكبيرة في الجزيرة. ونقدر وجود أعداد كبيرة من الموتى سواء البالغين أو الاطفال قد دفنوا هنا."
وهذا الجدل هو نفسه ما يدعمه خليفة أحمد آل خليفة، مساعد مدير البرامح لدى المركز الاقليمي العربي للتراث العالمي، اذ يفسر سبب ملائمة طرح "القطع غير التقليدية" للعرض للجمهور في الوقت الحالي.
واضاف "هناك الكثير من الاعمال الاكاديمية الجارية خلال العقود الماضية. وتنطوي الفكرة على تبسيط وتفسير كافة المعلومات الاكاديمية حتى يتمكن المحليون والزائرون الدوليون من الوقوف على أهمية تراثنا."
ويتابع خليفة قائلا ان منطقة سار على سبيل المثال "تضم منازل ومطاعم ومراكز تجارية ومقابر ومكان للعبادة. كل ذلك في مدينة حديثة."
وقال "أحد الخصائص المميزة لمنطقة سار هو وجوج تجمعات للدفن على شكل خلايا النحل، وهي من الأشياء التي تستهوي اعجاب الكثير من الناس.
وعلى الرغم من كون البحث الاكاديمي يواصل استكشاف ديلمون التي تعود الى قبل 4000 عام، وابراز ما يميزها من تجارة ونظام غذائي واعمال فخار وصناعات اخرى فضلا عن عادات الدفن المحلية، فهناك تركيز على ابراز أي شئ يهم المواطن في الشارع.

المعبد الدلموني في سار
وصف المعبد:-
في وسط المستوطنة، في المكان الاكثر ارتفاعاً فيها، وعلى الشارع الرئيسي يقع معبد سار الاثري المتميز في بنائه، فهو على شكل شبه منحرف، وهو مبني بالحجارة الجيرية الصغيرة، خلافاً للصخور الرملية الضخمة المقطوعة
بعناية الذي استخدمت في بناء قلعة البحرين ومعبد باربار، ومسجد الخميس.
image003
المعبد بأعمدته الثلاثة متوسطاً المستوطنة
للمعبد باب صغير في الجهة الشرقية، وهو مطل على الشارع الاساسي للمستوطنة ويقابل هذا الباب في الخارج عمودين مستطيلين ضخمين، وفي الداخل ثلاثة اعمدة في الوسط. على الحائط الشمالي مقاعد للمشاركين في الطقوس الدينية، ويقابله على الحائط الجنوبي المذبح الذي تقدم فيه القرابين للآلهة، كما أن هناك مذبحاً آخراً بنفس التصميم على العمود الأوسط، وتوجد غرفة جانبية في الجهة الشمالية الغربية من المعبد. كانت جدران المعبد مطلية بالجبس، وهناك ما يدل على انه كان مسقفا بالسعف او الحصر، الا أننا لا نعرف على وجه الدقة طبيعة الطقوس العبادية التي كانت تؤدى داخل هذا المعبد، ولا الاله الذي خصص هذا المعبد لعبادته.
اختلاف العلماء حوله:-
تتعدد التفسيرات التي قدمها العلماء لشكل المذبح الداخلي الذي يحتوي على قوسين، فمنهم من يعتقد بأنهما على شكل قرني ثور، ومنهم من يعتقد بأنهما على شكل قمر (هلال) وأن المعبد مخصص لعبادة الإله "سين" إله القمر، وفيما يتعلق بوجود مذبحين في المعبد، فهناك من يرى أنه قد يدل على كثرة القرابين المقدمة للآلهة، أو أنه يدل على عبادة أكثر من إله في هذا المعبد.
saar01
المذبحان، ويظهر شكل الهلال بوضوح على المذبح الاساسي
كذلك اختلف العلماء في تفسير وظيفة الغرفة الداخلية للمعبد، فمنهم من يعتقد أنها مجرد غرفة لتخزين أدوات وأغراض المعبد، ومنهم من يعتقد أنها مرصد فلكي بني بعناية خاصة وبمعرفة فلكية عميقة لرصد تحركات الشمس، وبذلك يمكن أن نقول أن هذا المعبد مخصص لعبادة الإله "أوتو" إله الشمس.
نظرية التقويم الشمسي الدلموني:-
يقول الدكتور نبيل الشيخ (آثاري سعودي) ان ظروف الحياة في دلمون المعتمدة أساساً على التجارة والزراعة والصيد قد مهدت لظهور المتطلبات الأساسية لحساب الزمن، حتى تمكن كهنة دلمون في تطوير مفاهيمهم البسيطة الى ابتكار تقويم شمسي مكون من 365 يوم وهي المدة التي يستغرقها الانقلاب الشمسي أو اكتمال دوران الكرة الارضية حول الشمس، ولا عجب أن يكتشف هذا المعبد في قرية سار، فسار في اللغة القديمة تعني السنة أو الدورة.
128%20Temple%20Calendars%20in%20the%20Old%20and%20New%20Worlds_image003
الشمس من زاوية الرصد حسب نظرية الشيخ
شيد المعبد بناء على هذه الحسابات لرصد ظاهرة الانقلاب الصيفي (21 يونيو من كل سنة) حيث تتعامد الشمس وقت الغروب على زاوية الرصد الكائنة في الغرفة الشمالية الغربية للمعبد، وعند تعامد الشمس يعلن الكهنة بدء العام الجديد، وبهذا يكون شعب دلمون من أوائل الشعوب التي عرفت التقويم الشمسي في العالم القديم وهو تقويم دقيق جداً، ونسبة الخطأ فيه بسيطة وقابلة للتصحيح بزيادة يوم في السنة كل أربع سنوات كما هو معمول به حالياً في شهر فبراير.
_____
نموذجان لأختام دلمونية من موقع سار
تظهر بوضوح رموز الشمس وتصور طقوس العبادة
ويدعم هذه النظرية وجود العديد من الأختام الدلمونية التي تتضمن رموزاً تمجد إله الشمس، أوتو، الا أن وجود محرابين في المعبد يمكن أن يفيد بأنه مخصص لعبادة إلهي الشمس والقمر، الا أن هذا الافتراض بحاجة الى البحث من قبل خبراء الآثار لاثبات صحته من عدمها.
المقبرة الدلمونية في سار.
وفي جانب آخر من موقع سار الاثري تقع المدافن الاثرية المتشابكة، وهي لأهالي المستوطنة، هذه المدافن فريدة من نوعها كونها تتشابك فيما بينها كخلية النحل، وتبنى هذه الشبكات من القبور على شكل اقواس دائرية تحوط قبراً مهماً لملك أو لشخص من علية القوم، بحيث يبنى كل قبر على جدار القبر السابق، وبذلك تكون كل القبور متشابكة، وهذه القبور هي لعامة الناس بينما قبور علية القوم تتخذ شكلاً فخماً متميزاً عن بقية القبور.
2593_61035726268_3251496_n
تتشابك القبور كخلية النحل
يتكون القبر من حجرة الدفن الواسعة نسبياً والعميقة، حيث يدفن الميت وهو جالس القرفصاء، وبداخل الحجرة فجوة جانبية يحتفظ فيها الميت بأدواته اللتي تدفن معه ليستعين بها على الحياة عندما يبعث في الحياة الآخرة، ويملئ القبر بالرمل الناعم ثم يغلق بعدد من الحجارة الضخمة.
20121229_115940
القبر الرئيسي ببنائه الدائري الضخم
في الختام
لا يزال تاريخ البحرين بحاجة الى الكثير من الجهد والبحث للكشف عن اسراره، ولا تزال المواقع الاثرية بحاجة الى الكثير من الاهتمام من قبل الجهات الرسمية والشعبية.
ان هذا التاريخ العظيم يمثل دافعاً قوياً للعمل من اجل الوطن، ولذلك نحن بحاجة الى تسليط الضوء عليه بصورة اكبر في وسائل الاعلام وفي مناهجنا الدراسية.
بعض من مراجع التقرير
1. علي أكبر بوشهري، التاريخ القديم للبحرين والخليج العربي.
2. يوسف الشيخ: نظرية التقويم الشمسي الدلموني (معبد سار).
3. هاريت كراوفورد: الأختام الدلمونية المبكرة من سار.
4. مجموعة مؤلفين: بقايا الفردوس .. ترجمة محمد الخزاعي.
بقلم الاستاذ: علي السلاطنة

ليست هناك تعليقات: