Translate

الجمعة، 3 يوليو 2026

غريبه فعلا

لم يكد الطبيب يرفع المولود السابع حتى تجمّدت يده في الهواء. في تلك اللحظة، ساد صمت ثقيل في غرفة العمليات، ذلك الصمت الذي يسبق العاصفة، قبل أن يهمس أحد الممرضين بصوت مرتجف: "دكتور... هناك المزيد". ما حدث في الرابع من أيار عام 2021 داخل أسوار "عيادة برجة" في الدار البيضاء، لم يكن مجرد ولادة قيصرية، بل كان أشبه بلحظة انشقاق الستار عن معجزة أربكت حسابات الطب الحديث.

القصة لم تبدأ في المغرب، بل في قلب العاصمة المالية باماكو، حيث كانت حليمة سيسي، الفتاة ذات الخمسة وعشرين ربيعاً، تعيش أياماً من القلق الممزوج بالأمل. حين ذهبت لإجراء فحص روتيني، لم تكن تتوقع أن تخبرها الممرضة بوجود سبعة أجنّة في رحمها. سبعة! الرقم وحده كان كفيلاً بتحويل حياتها إلى دوامة من الخوف، خاصة في بلد تعاني منظومته الصحية من شح الموارد. كانت نظرات الأطباء في مالي تحمل إنذاراً صامتاً: إما التدخل الفوري في الخارج، أو مواجهة مصير مجهول. هكذا أصبحت "عيادة برجة" في المغرب هي الوجهة، بل طوق النجاة الوحيد.

وهناك، على بُعد آلاف الكيلومترات من بيتها، بدأت حليمة رحلة التعايش مع فكرة أنها تحمل في أحشائها حياة سبعة أطفال. كانت الأسابيع تمر ثقيلة، وجسدها النحيل يحارب من أجل احتواء هذا الانفجار الكوني الصغير الذي يتسع داخلها. وبين نبضات قلبها وخفقان قلوبهم، كان القدر يُخبئ فصلاً لم يقرأه أحد في كتب الطب.

في ذلك الصباح من شهر أيار، ومع بلوغها الشهر السابع، تقرر إجراء الجراحة القيصرية بشكل مبكر. كان التوتر يخيم على المكان، فولادة سبعة خدّج مهمة شاقة، تحفها المخاطر من كل جانب. دخل الجراح بيد ثابتة، وبدأ في انتشال الأرواح الصغيرة واحداً تلو الآخر. خرج الأول والثاني والثالث، ثم الرابع والخامس والسادس، وفي كل مرة كان البكاء الخافت يملأ الغرفة، ممتزجاً بدموع الفرحة الحذرة. وحين أُخرج السابع، ظن الجميع أن المهمة انتهت، وأن الرقم القياسي قد اكتمل. ولكن سبحان من بيده ملكوت كل شيء، فبينما كانت اليد الطبية تتحضر للخروج، شعر الجراح بحركة غير متوقعة. كان هناك ثامن! 🫢

لم تكن المفاجأة في الطفل الثامن فقط، بل فيما تلاه. فبين دهشة الحاضرين وصمتهم الذي يشق الصخر، انزلق إلى الدنيا طفل تاسع. تسعة أطفال! تحولت الغرفة إلى خلية نحل، فالفريق الطبي لم يكن مستعداً عددياً لهذا الكم من الحاضنات في آنٍ واحد. أمسك الجميع بهواتفهم لاستدعاء أطباء إضافيين، واستنفار كل جهاز تنفس متاح. كان المشهد مهيباً ومخيفاً، تسعة كائنات في غاية الصغر، خمس إناث وأربعة ذكور، تتراوح أوزانهم بين نصف كيلو وكيلو واحد، لا تفصلهم عن الموت سوى أجهزة طبية تطلق صفيرها المتواصل.

ثم بدأ ماراثون الصبر الحقيقي. لم تكن حليمة مجرد أم، بل كانت جندياً مجهولاً يحرس تسعة أفران بشرية. لمدة عامين كاملين، تحولت "عيادة برجة" إلى وطن بديل. كانت الأيام تتشابه: عيناها تغالبان النعاس، وقدماها لا تكفان عن الحركة بين تسع حاضنات بلاستيكية تحوي مستقبل عائلتها. تسع زجاجات حليب كل ساعتين، دون توقف، دون راحة، دون نوم. كان صوت بكاء طفل واحد يوقظ التسعة، فتتحول الغرفة إلى ما يشبه سيمفونية بدائية لا تفهمها إلا هي. في تلك اللحظات، كانت يدها تمتد لتمسح على ظهورهم الشفافة، وكأنها تغزل لهم درعاً من الوهم يحميهم من الضعف والخطر. 🍼💔

ومع كل غرام يزداد في أوزانهم، كانت تنمو في قلبها قوة أسطورية. لم تكن المستشفى مجرد مبنى، بل ساحة حرب صامتة، انتصر فيها أولئك الصغار بفضل الله ثم بدقة الأطباء وجنون الأم. تحولت وجوههم من ملامح قلقة إلى عيون تبتسم، وانتقلوا من الخداج إلى الحياة شيئاً فشيئاً. حتى جاء الموعد المنتظر. في كانون الأول من عام 2022، وبعد سنتين من القتال اليومي، أقلعت طائرة من الدار البيضاء، حاملة على متنها أسطورة اسمها حليمة، بجانبها تسعة أطفال أصحاء يملؤون مقاعد لم تكن الطائرة لتتسع لمثلهم من قبل.

كان الهبوط في مطار باماكو وطنياً بكل ما تعنيه الكلمة. خرجت حليمة سيسي بعرباتها التسعة، ليس كأم خارقة فحسب، بل كأيقونة تذكّر الجميع بأن الروح البشرية تفعل المستحيل حين تُمنح فرصة. 🥺✈️



ليست هناك تعليقات: