Translate

الاثنين، 14 سبتمبر 2015

قتيبة بن مسلم أسطورة الفتح الإسلامي

قتيبة بن مسلم الباهلي أسطورة الفتح الإسلامي

ليس من قبيل المبالغة أن يطلق على القائد "قتيبة بن المسلم الباهلي" العديد من الألقاب تكريمًا له، وذلك نظرًا للإنجازات المذهلة التي حققها في الفتح الإسلامي، والتي جعلت منه فاتح المشرق الإسلامي، فقد وصل بفتوحاته إلى الصين، وهي الفتوحات التي كانت السبب في دخول الكثير من الأقوام في دين الله تعالى لما رأوا في شخصية الفاتحين وقائدهم تجسيدًا لعظمة الدين الإسلامي.
فمن "كبير المجاهدين" إلى "عملاق الفتوح"، تتوالى الألقاب على ذلك القائد المسلم، الذي صار اسمه علمًا على الفاتحين المسلمين لدرجة أن البعض لقب "طارق بن زياد" فاتح الأندلس باسم "قتيبة المغرب"، وليس هناك دليل على عظم قدر "قتيبة" أكثر من ذلك اللقب, وبالتالي صار من حق ذلك الفاتح العظيم أن يلقى بالضوء على حياته لكي يرى المسلمون منها لمحات تؤكد أن لهذه الأمة الإسلامية من التاريخ ما يجعلها قادرة على تجاوز أية عثرات تمر بها.

بداية رحلة قتيبة بن مسلم الجهادية :

ولد هذا الفاتح العظيم في العام 48هـ, وفي بعض الأقوال 46 هـ، وقد كانت الفترة التي نشأ فيها فترة اضطراب سياسي عظيم في الدولة الإسلامية، وكان والده "مسلم بن عمرو" من الذين رافقوا "مصعب بن الزبير" الذي عينه "عبد الله بن الزبير" واليًا على العراق في تلك الفترة المضطربة من التاريخ الإسلامي.
وترجع بدايات الرحلة الجهادية لـ"قتيبة بن مسلم" عندما اختاره القائد الكبير "المهلب بن أبي صفرة" كواحد من خيرة المقاتلين، وأرسله إلى والي العراق آنذاك "الحجاج بن يوسف الثقفي"، فأخضعه للعديد من الاختبارات التي أثبتت بعد نظر "ابن أبي صفرة" في حنكة ومهارة "قتيبة" حيث ولاه "عبد الملك بن مروان" ولاية الري، التي أبلى فيها بلاء حسنًا، فما كان من "الحجاج" إلا أن جعله واليًا على إقليم خراسان في العام 86 هجرية، لينطلق محلقًا في سماء الفتوحات منذ ذلك الحين.
ويرجع السبب في أن ولاية خراسان كانت المنطلق الرئيسي في رحلة الفتوحات, أن هذه الولاية لم تكن مستقرة ولم تكن قد دانت كلها بالسيطرة للمسلمين، وبالتالي كانت في حاجة إلى الكثير من الجهد إما لاستكمال الفتوحات أو تأمين المناطق التي تم فتحها بالفعل.
ومن بين السمات التي ساعدت قتيبة في القيام بفتوحاته حنكته وخبرته بالرجال سواء بين الأصدقاء أو في أوساط الأعداء، فعندما أخبروه بأن تمردًا وقع في خراسان وأشير عليه بإسناد أمر إخماد التمرد للقائد "وكيع بن الأسود" الرجل الثاني في جيش "قتيبة"، رفض الفاتح قائلاً: إن وكيعًا به من الكبر ما قد يجعله يقلل من قدرات أعدائه، مما قد يجعلهم يأخذونه على غرة.
وهذا الموقف يشير إلى أن "قتيبة" كان حكيمًا في اختيار رجاله, فقد اختار مساعده من قبيلة بني تميم تلك القبيلة المتمرسة في القتال، والتي لعبت دورًا كبيرًا في الفتوح الإسلامية، إلا أنه رفض وضعه في موضع إخماد التمرد، مما يعني أنه كما يعرف للرجال مقدارهم فإنه يعرف قدراتهم.
وبالإضافة إلى ذلك، أفلت "قتيبة" من فخ أعده له أحد العملاء المزدوجين ويسمى "تندر" أو "تنذر"؛ فقد كان هذا الرجل عميلاً لدى "قتيبة" أثناء حصاره لمدينة تسمى بيكند كانت تتبع بخارى فقام أهل البلدة بتجنيد هذا العميل، فحاول إيهام "قتيبة" بأن "الحجاج بن يوسف" قد خلع من ولاية العراق لكي يدفع "قتيبة" لفك الحصار عن المدينة والعودة للعراق، إلا أن القائد المسلم أدرك بحنكته أن الرجل يكذب، فاستمر في حصار المدينة وأمر بقتل الخائن، وسرعان ما فتحت المدينة، بل وعادت على المسلمين بالمال الوفير الذي ساهم في الانطلاق نحو حدود الصين؛ لأن هذه المدينة كانت مهمة اقتصاديًّا وكان يطلق عليها "مدينة التجار".
كذلك كان يعرف كيفية دعم المقاتلين واختيار كل مقاتل للمهمة التي عليه القيام بها، فلكي يحفز المقاتلين على المزيد من الفتوحات، طلب من "الحجاج بن يوسف" أن يوزع الغنائم على المقاتلين المجاهدين للتخفيف من حدة ألمهم جراء الغربة وفراق الأهل، فوافق "الحجاج" مما كان له أكبر الأثر في دعم الروح المعنوية للجنود، ونفس الأسلوب اتبعه مع الرجال في فتح بخارى فنعود مرة أخرى إلى بيكند, حيث كان حكام المدينة قد حشدوا كل جيوشهم في معسكر واقع على نهر بالمدينة، فصار هذا المعسكر أمنع نقطة في المدينة وبالتالي كان اقتحامه يعني فتح المدينة، لكن القيام بهذه المهمة كان في نظر الكثيرين ضرب من المستحيل.
فما كان من قتيبة إلا أن اختار قبيلة بني تميم ذات الباع الطويل في القتال لكي تفتح تلك المدينة وتقتحم ذلك المعسكر الحصين، ونادى فيهم أن "من جاء برأس كافر فله 100 دينار"، كما أن "وكيعا"، قد دعا قومه -بني تميم- للانضمام إلى الجهاد مطلقًا صيحته الشهيرة: "من كان يريد الموت فليتبعني، ومن كان كارهًا فليثبت في مكانه"، وذلك حسب رواية "ابن أعثم"، مما كان له أكبر الأثر في سقوط المدينة ومن ثم فتح بخارى كلها، وكان ذلك في العام 87 هجرية.

الصين والأتراك :

واستمرت فتوحات "قتيبة بن مسلم الباهلي" في بلاد ما وراء النهر جيحون وسيحون، حتى استقر المقام للمسلمين هناك، ومن البلدات والمدن التي فتحها الطالقان والصغانيان وشومان وكفتان وسمرقند, وقد بلغ عظم فتوحاته مستوى جعل ملك الصين، مهاب الجانب في منطقته، يرسل بالهدايا إلى الفاتح العظيم حتى يدفعه إلى التراجع عن قسمه بأن يدخل المسلمون الصين، وأرسل له حفنة من تراب الصين ليطأها حتى يكون قد أبر بقسمه.
غير أن القائد العظيم لم يتراجع واستمر يقاتل في تلك المناطق، وراح يخطط لكي ينطلق من فرغانة -وهو إقليم يمتد حاليًا بين أوزبكستان وطاجكيستان وقرغيزيا- نحو فتح الصين كلها، إلا أن التغيرات السياسية التي وقعت في هذه الفترة عقب وفاة الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك وتولي "سليمان بن عبد الملك" من بعده، قد أطاحت بـ"قتيبة" من منصبه واليًا على خراسان ومن قيادة الجيش، ليتوقف عند التخوم الغربية للإمبراطورية الصينية، وتحديدًا عند منطقة كاشغر، التي تقع في تركستان الشرقية داخل حدود الصين الحالية.
وكان من بين الإيجابيات التي نجمت عن الفتوحات التي قادها "قتيبة بن مسلم" في تلك الأصقاع أن دخل الأتراك في الدين الإسلامي، فبعد أن دانت السيطرة للمسلمين على بلاد فارس، ودخل الفرس في دين الله في عهد الخلفاء الراشدين، دخل الأتراك في الإسلام على يد ذلك الفاتح العظيم، حيث كان نهر المرغاب هو الحد الفاصل بين الأتراك والفرس، فتجاوزه "قتيبة" في فتوحاته ودخل الأتراك الإسلام.
وأدى دخول الأتراك الإسلام إلى العديد من الفتوحات الرئيسية في تاريخ المسلمين بعد ذلك، ومن أبرز تلك الفتوحات ما قام به العثمانيون في أوربا من الوصول إلى حدود النمسا، والسيطرة على أجزاء كبيرة للغاية من القارة الأوربية، إلى جانب ما قامت به فروعهم من فتح الهند وغيرها من الفتوحات في آسيا الوسطى.

نهاية رحلة قتيبة بن مسلم :

وعلى الرغم مما يشاع عن أن "قتيبة" قد تمرد على الخليفة الأموي الجديد "سليمان بن عبد الملك" بسبب فتنة داخلية ضربت بين القبائل العربية في تلك الفترة، إلا أن هناك من الأقوال ما يشير إلى أنه لم يتمرد، وأن ما سرى من أنباء عن تمرده كان جزءًا من تلك الفتنة التي انتهى فصل من فصولها بمقتل "قتيبة بن مسلم" على يد الجيوش الموالية لـ"سليمان بن عبد الملك" في عام 96 هجرية/715 ميلادية، وهي الميتة التي أغضبت الجميع حتى أعداء "قتيبة"، فقال قائل: "يا معشر العرب قتلتم قتيبة، لو كان منا فمات فينا, جعلناه في تابوت, فكنا نستفتح به إذا غزونا".
إن لهذا الفاتح العظيم قصة صمود رائعة، اعتمد فيها على إيمانه بالله تعالى، الذي دفع الكثيرين من غير المسلمين إلى الدخول في دين الله بسبب عظم شخصية "قتيبة"، وكذلك على بسالته القتالية، وعقليته النادرة التي جعلته يتميز حتى عن قائده "المهلب بن أبي صفرة" في أن يضع لكل غزوة من غزواته، حتى وإن كانت محدودة الحجم، هدفًا محددًا يجب إنجازه وإن طال المطال بها، فيقال مثلاً إن حصاره لمدينة بيكند استمر شهرين كاملين، ولكنه لم ييأس وقاتل وانتصر بإذن الله.
لم يعتمد "قتيبة" على جاه ولا نسب، فقد كان ينتمي إلى قبيلة باهلة، وهي كانت في عرف عرب الجاهلية من أحط القبائل نسبًا، إلا أنه انتفض وشق طريقه، ولكنه في النهاية لم يلق تكريمًا إلا بالقتل في إطار تصفية حسابات داخلية، لكن يكفيه ما بدأنا به من أنه نال من الألقاب ما لم ينله فاتح آخر, كما يكفيه أن عرقًا كاملاً هو العرق التركي، بكل فروعه، قد دخل في الإسلام على يده.
=====================================================================

قتيبة بن مسلم .. فاتح بلاد الصين

=====================================================================
هو قتيبة بن مسلم بن عمرو بن حصين بن الأمير أبو حفص الباهلي، قائد إسلامي شهير من كبار القادة الذين سجلهم التاريخ؛ فعلى يديه فُتحت هذه البلاد التي تُسَمَّى اليوم بالجمهوريات الإسلامية، التي انفصلت عما كان يُسَمَّى بالاتحاد السوفيتي، وتوغَّل حتى حدود الصين، وتدين كثير من هذه البلاد بدين الإسلام، قُتل سنة 96 هـ، وعمره 48 سنة.
نشأة قتيبة بن مسلم
أبوه مسلم بن عمرو من أصحاب مصعب بن الزبير والي العراق من قِبَل أخيه أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، وقاتل معه في حربه ضد عبد الملك بن مروان سنة (72هـ= 692م)، وُلِدَ قتيبة بن مسلم في بيت إمارة وقيادة سنة (49هـ= 669م) بأرض العراق، ولمَّا ترعرع تعلَّم العلم والفقه والقرآن، ثم تعلَّم الفروسية وفنون الحرب وقد نشأ قتيبة بن مسلم–رضي الله عنه- على ظهور الخيل رفيقًا للسيف والرمح، محبًّا للفروسية، وكانت منطقة العراق مشهورة بكثرة الفتن والثورات؛ لذلك عمل كلُّ ولاة العراق على شغل أهلها بالغزوات لاستغلال طاقاتهم الثورية في خدمة الإسلام ونشر الدعوة؛ لذلك كانت أرض العراق هي قاعدة الانطلاق للحملات الحربية على الجبهة الشرقية للدولة الإسلامية، وقد اشترك قتيبة في هذه الحملات منذ شبابه المبكِّر، وأبدى شجاعة فائقة وموهبة قيادية فذَّة، لفتت إليه الأنظار خاصة من القائد العظيم المهلب بن أبي صفرة، وكان المهلب خبيرًا في معرفة الأبطال ومعادن الرجال؛ فتفرَّس فيه أنه سيكون من أعظم أبطال الإسلام، فأوصى به لوالي العراق الشهير الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي كان يحبُّ الأبطال والشجعان، فانتدبه لبعض المهامِّ ليختبره بها ويعلم مدى صحَّة ترشيح المهلب له. ثم ولَّاه عبد الملك بن مروان مدينة الرَّيِّ، وولَّاه -أيضًا- خراسان، وقد كانت حينها من أعمال العراق يوم ذاك، وهي تحت إمرة الحجاج، فلم يعبأ بشيء سوى الجهاد، فلمَّا وصل خراسان سنة (86هـ= 705م) علا بهمَّته إلى حرب بلاد ما وراء النهر، وأقام بخراسان ثلاث عشرة سنة.
وعندما قام المسلمون الأوائل بحركة الفتح الإسلامي في الشرق، كان هناك نوعان من الأجناس البشرية تسكن هذه المنطقة؛ القبائل الساسانية أو الفارسية والقبائل التركية، وكان نهر المرغاب هو الحدّ الفاصل بين هؤلاء وهؤلاء، وقد تمَّ إدخال القبائل الفارسية في الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين، أمَّا القبائل التركية فقد كانت أكبر عددًا وأوسع انتشارًا؛ منهم: الأتراك الغزية، والأتراك القراخطاي، والأتراك القوقازيون، والأتراك الإيجور، والأتراك البلغار، والأتراك المغول. وقد كان لفتح قتيبة أثرٌ كبير في إدخال الأتراك شرقي نهر المرغاب وبلاد ما وراء النهر في الإسلام.
فتوحات قتيبة بن مسلمبدأ قتيبة بن مسلم فتوحاته سنة (86هـ= 705م)، وذلك عندما ولَّاه الحجاج بن يوسف الثقفي ولاية خراسان؛ وهو إقليم شاسع مترامي الأطراف، لم يكن المسلمون قد واصلوا الفتح بعده، وكان المهلب بن أبي صفرة واليًا على خراسان من عام 78هـ حتى عام 86هـ، وقد رأى الحجاج أن يدفع بدماء شابة جديدة في قيادة المجاهدين هناك، فلم يجد أفضل من قتيبة بن مسلم لهذه المهمَّة.
سار قتيبة بن مسلم على الخطَّة نفسها التي سار عليها آل المهلب، وهي خطة الضربات السريعة القوية المتلاحقة على الأعداء، فلا يترك لهم وقتًا للتجمُّع أو التخطيط لردِّ الهجوم على المسلمين، ولكنَّه امتاز عن آل المهلب بأنه كان يضع لكل حملة خطَّة ثابتة لها هدف ووجهة محدَّدة، ثم يُوَجِّه كلَّ قوَّته للوصول إلى هدفه.
استعرض قتيبة بن مسلم جيشه، وابتدأ مسيرته إلى فتح الشرق كله، ففتح المدائن مثل خوارزم وسجستان، حتى وصل إلى سمرقند، فحاصرها حصارًا شديدًا حتى صالحه أهلها على أموال كثيرة جدًّا، وفطن له الصُّغْد فجمعوا له الجموع؛ فقاتلهم في شُومان قتالاً عنيفًا حتى هزمهم، وسار نحو بِيكَنْد وهي آخر مدن بُخَارَى، فجمعوا له الجموع من الصُّغْد ومَنْ وَالَاهُم فأحاطوا به من كل مكان، وكان له جواسيس من الأعداء يمدُّونه بالأخبار, فأعطاهم الأعداء أموالًا طائلة ليصدُّوا عنهم قتيبة؛ فجاءوا يُثَبِّطونه عن قتالهم فقتلهم، ثم جمع الجيش وخطبهم وحثَّهم على القتال؛ فقاتلوا أشدَّ القتال، وفتحوا الطوق وغنم منها أموالًا لا تُحصى، ثم اتَّجه ناحية الصين، فغزا المدن التي في أطرافها وانتصر عليها، وضرب عليهم الجزية، فأذعنت له بلاد ما وراء النهر كلها حتى وصل إلى أسوار الصين.
استراتيجية قتيبة بن مسلم في الغزوات
قام قتيبة بن مسلم –رضي الله عنه- بتقسيم أعماله إلى أربع مراحل، حقَّق في كل واحدة منها فتح ناحية واسعة فتحًا ثَبَّت فيه أقدام الدولة الأموية وما تابعها من دول إسلامية ردحًا طويلاً من الزمن؛ وهي كالآتي:
المرحلة الأولى: قام فيها قتيبة بحملته على طَخارستان السفلى فاستعادها وذلك سنة 86هـ، وطَخارستان السفلى هي الآن جزء من أفغانستان وباكستان.
المرحلة الثانية: قاد فيها حملته الكبرى على بخارى (تقع الآن في أوزبكستان) فيما بين سنتي (87- 90هـ)، وخلالها أتمَّ فتح بخارى وما حولها من القرى والحصون، وكانت أهمَّ مدن بلاد ما وراء النهر وأكثفها سكانًا وأمنعها حصونًا.
المرحلة الثالثة: وقد استمرَّت فيما بين سنتي (91- 93هـ)، وفيها تمكَّن قتيبة من نشر الإسلام وتثبيته في وادي نهر جيحون كله، وأتمَّ فتح إقليم سجستان في إيران الآن، وإقليم خوارزم، ووصلت فتوحاته إلى مدينة سمرقند في قلب آسيا، وضمَّها إلى الدولة الأموية.
المرحلة الرابعة: وقد امتدَّت فيما بين سنتي (94- 96هـ)، وفيها أتمَّ قتيبة بن مسلم فتح حوض نهر سيحون بما فيه من مدن، ثم دخل أرض الصين وأوغل فيها، ووصل مدينة كاشغر وجعلها قاعدة إسلامية، وكان هذا آخر ما وصلت إليه جيوش إسلامية في آسيا شرقًا، ولم يصل أحد من المسلمين أبعد من ذلك قط.
وفاة قتيبة بن مسلم
حارب قتيبة ثلاث عشرة سنة لم يضع فيها السلاح، وقد كان قتيبة بن مسلم من قادة الحجاج بن يوسف الثقفي؛ فقد كان يعلم مقدار كراهية سليمان بن عبد الملك للحجاج، فلمَّا ولي الخلافة خشي قتيبة من انتقامه؛ لأنه وقف إلى جانب الوليد بن عبد الملك حين أراد أن يخلع أخاه سليمان من ولاية العهد ويجعلها لابنه؛ ولذلك عزم قتيبة على الخروج على سليمان، وجمع جموعًا لذلك من رجاله وأهل بيته، لكنَّ حركته فشلت، وانتهت بقتله في بلد اسمها فرغانة سنة (96هـ= 715م) على يد وكيع بن حسان التميمي، وقيل: إنه لم يتمرَّد، ولكن وقع ضحية مؤامرة حاكها بعض الطامعين بالولاية. 

الأربعاء، 9 سبتمبر 2015

أضواء وفوانيس وأوراق زينة.. موائد ملكية رمضانية وسرادقات لقراءة القرآن

قصة الملك فاروق مع «رمضان»: خُطبة ليلة الرؤية وتوزيع أموال على فقراء مصر وإقامة موائد ملكية

الملك فاروق في رمضان


«أضواء وفوانيس وأوراق زينة.. موائد ملكية رمضانية وسرادقات لقراءة القرآن.. توزيع مبالغ مالية على الفقراء.. احتفالات الجمعة اليتيمة» طقوس خاصة تميز بها شهر رمضان في العصر الملكي كما تحكي عنه الأوراق والوثائق القديمة، التي تعود إلى القرن الـ20، زمن الملك فاروق والقصور الملكية.
الملك فاروق أو «صاحب الـ10 وجوه» كما وصفه بعض المؤرخين، حيث يحمل تاريخه مفارقات يصعب حصرها، كان معروفا بحبه للنساء والطعام والشراب، وفي الوقت نفسه، عرف بورعه وتقواه في شهر رمضان.
وفي رمضان، كان للملك فاروق طقوسا خاصة، تبدأ بإرسال مندوب للمحكمة الشرعية، للتأكد من ثبوت الرؤية، وتستمر حتى توزيع العطايا قبيل عيد الفطر المبارك، وكان يأمر فاروق، فيضاء قصر «عابدين» بالأنوار لإحياء ليالي رمضان، ويعد عدد كبير من المقاعد في الفناء الداخلي لجلوس الضيوف الذين يأتون يوميا لسماع القرآن الكريم، وكان فاروق يؤدي أول صلاة جمعة في رمضان في مسجد «الرفاعي» مع العلماء، كما كان فاروق يحب قضاء بعض أيام شهر رمضان في قصر «رأس التين» بالإسكندرية.
ويرصد «المصري لايت» أبرز طقوس الملك فاروق في رمضان، استنادا على عدة أعداد أرشيفية من مجلة «المصور»، وموقع «الملك فاروق ملك مصر»، وصحيفة «الأهرام».
خطاب ليلة ثبوت الرؤية
كان من عادة الملك فاروق توجيه خطابا عبر الراديو بعد ثبوت الرؤية، يهنئ فيه الشعب بقدوم رمضان، وكان ممن لا يمتلك جهاز راديو من المصريين يخرج إلي المقاهي أو البيوت التي فيها راديو، فتزدحم الأماكن العامة والشوارع القريبة منها لسماع الكلمة، التي يلقيها الملك عبر الإذاعة، مهنئا بها شعبه بمناسبة شهر رمضان الكريم.
وما يكاد المذيع يعلن انتقاله إلي قصر المنتزه لنقل كلمة الملك، حتى تسود الشوارع الصمت، حتى إذا انتهي الملك من إلقاء كلمته، تتعالى الأصوات مبددة هذا الصمت في كل الأنحاء تهتف: «حفظ الله جلالته وأطال بقاء».
ومن خطابات الملك فاروق التي ألقاها في ليلة الأول من رمضان من العام 1360 هجري الموافق 22 أغسطس 1941: «شعبي المحبوب.. الليلة نستقبل شهر رمضان المبارك فرحين بما آتانا الله من نعمة الدين وعزة الوطن، فإليك الكريم تهنئة صادرة عن قلب يفيض إيمانا بالله، وحبا لرسوله، ورعاية لك وثقة بك، وعطفا عليك..
يقول الله تقدمت ذاته، وتعالت صفاته: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين من قبلكم لعلكم تتقون)..
وامتثالا لأمره جل شأنه أذكر نفسي وإخواني المسلمين بالاعتصام بالصيام، ففي الصوم تهذيب للنفس ورياضة لها علي احتمال المكاره، وعلي الصبر الذي هو من أكبر الأخلاق المقومة لحياة الأمم ومجدها، وفيه كف لليد واللسانعن الطغيان والعدوان والكذب والبهتان..
وأنه ليشرح صدري في هذه الليلة المباركة أن اسأل الله جلت قدرته أن يمدنا بعنايته، وأن يجعل مجهداتنا القومية مقرونة بالتوفيق وأن يعلي دينه وأن يعلي قدر الوطن قدر سبحانه، نعم الهادي ونعم المعين.. وسلام الله وتحيته عليكم أجمعين».
إذاعة القرآن ومنع المشروبات الكحولية
بالفيديو والصور.. شاهد كيف كان الملك فاروق يستقبل رمضان
كان الملك فاروق يصدر أمرا ملكيا يأمر بمنع بيع المشروبات الكحولية والروحية في المحلات العامة إبان شهر رمضان، وكان يؤكد ضرورة إذاعة أصحاب المحلات المجهزة بأجهزة الراديو القرآن الكريم طوال أيام رمضان، كما كانت القصور الملكية تستخدم مكبرات الصوت لإذاعة القرآن الكريم طوال أيام شهر رمضان، وكانت تقيم السرادقات في الميادين الكبيرة والمتنزهات لتلاوة القرآن الكريم والتواشيح الدينية، خاصة في ميدان قصر عابدين.
الموائد الملكية في رمضان
منذ العام الأول لتوليه حكم مصر، كان فاروق يدعو رجال القصور والخاصة الملكية لمائدة إفطار رمضانية سنوية للخاصة والعامة بين القاهرة والإسكندرية، تحفل دائما بما لذ وطاب، وكانت ممدودة وعامرة وتتسع للكثيرين من رجال الدولة وسفراء الدول ورجال الأحزاب وعامة الناس بمن فيهم الفقراء، وتميز الملك فاروق دون أسلافه في إقامة هذه الموائد بكثرة في رمضان.
وبعد حرب‏ 1948، ‏تغيرت تقاليد هذه الموائد التي كانت ‏تُقام‏‏ ‏في‏ ‏القصر‏ ‏الملكي‏ ‏في‏ ‏شهر‏ ‏رمضان، ‏وكان يحضرها أمراء‏ ‏البلاد‏ ‏وعلماؤها‏ ‏ووزراؤها‏، ‏حيث أمر بعد الحرب ‏بإلغاء‏ ‏موائد‏ ‏القصر، ‏لتحل‏ ‏محلها‏ ‏موائد‏ ‏في‏ ‏القاهرة‏ ‏وسائر‏ ‏مدن‏ ‏مملكة مصر‏ ‏وأرجائها‏ ‏للفقراء‏ ‏والمعوزين‏ ‏علي‏ ‏نفقته الخاصة‏‏ ‏طوال‏‏‏ الشهر.
‏وقبل‏ ‏أن‏ ‏يحل‏ ‏شهر‏ ‏رمضان‏ ‏بأيام‏، ‏يذهب‏ ‏المحافظون‏ ‏والمديرون‏ ‏والمسئولون‏ ‏إلي‏ ‏قصر‏ ‏«عابدين»،‏ ‏ويتسلمون‏ ‏من‏ ‏رئيس‏ ‏الديوان‏ ‏العالي‏ ‏الاعتمادات‏ ‏المالية‏ ‏اللازمة‏ ‏لهذه‏ ‏المآدب‏ ‏مع‏ ‏رجاء‏ ‏من‏‏ ‏الملك‏ ‏بأن‏ ‏يعدوا‏ ‏الفقراء‏ ‏الذين‏ ‏يدعونهم‏ ‏إليها‏ ‏ضيوفه.
‏ولم‏ ‏يكن‏ ‏يمر‏ ‏أسبوعا‏ ‏من‏ ‏أسابيع‏ ‏شهر‏ ‏رمضان،‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏تقام‏ ‏فيه‏ ‏مأدبة‏ ‏من‏ ‏المآدب‏ ‏الملكية‏ ‏التي‏ ‏جرت‏ ‏عادة‏ ‏الملك‏ ‏علي‏ ‏إقامتها‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏عام‏، وتنوعت ما بين ‏مأدبة‏ ‏للعمال، ‏وأخرى ‏لرجال‏ ‏الجيش‏ ‏والضباط، ‏وثالثة‏ ‏لمشايخ‏ ‏الطرق‏ ‏الصوفية‏ ‏والأئمة‏ ‏والخطباء‏، ‏ورابعة‏ ‏للطلبة‏ ‏الغرباء‏ ‏في‏ ‏مصر‏، وتلك‏ ‏مآدب‏ ‏تقام‏ ‏في‏ ‏مختلف‏ ‏أنحاء‏ ‏البلاد‏ ‏يدعو‏ ‏إليها‏ ‏الملك‏ ‏آلاف‏ ‏الفقراء‏ ‏من‏ ‏أبناء‏ ‏شعبه‏.
وكان‏‏ فاروق ‏يأمر‏ ‏الخاصة‏ ‏الملكية‏ ‏بتوزيع‏ ‏مبالغ‏ ‏من‏ ‏المال‏ ‏على‏ ‏العائلات‏ ‏الفقيرة، فلا‏ ‏يمر‏ ‏عيد‏ ‏الفطر‏ ‏المبارك‏ ‏بدون‏ ‏أن‏ ‏تشعر‏ ‏هذه‏ ‏العائلات‏ ‏به ‏وكان يأمر‏ ‏بتوزيع‏ ‏مبالغ‏ مالية ‏أخرى‏ ‏‏على‏ ‏كل‏ ‏بيت‏ ‏فقير‏ ‏في‏ ‏القاهرة‏ ‏وفي‏ ‏الأقاليم‏.
قصر «عابدين» في رمضان
كان‏ ‏قصر‏ ‏عابدين‏ ‏يضاء‏ ‏بالأنوار‏ ‏الكثيرة‏ ‏إحياء‏ً ‏لليالي‏ ‏رمضان‏، ‏ويتم تجهيز‏ ‏الفناء‏ ‏الداخلي‏ ‏للقصر‏ ‏لجلوس‏ ‏الآلاف‏ ‏الذين‏ ‏يأتون‏ ‏لسماع‏ ‏القرآن من كبار المقرئين، وكان فاروق‏ ‏حريصا‏ ‏أن‏ ‏يشارك‏ ‏أبناء‏ ‏شعبه‏ ‏في‏ ‏هذه‏ ‏الليالي‏ ‏المباركة‏، ‏فيأمر‏ ‏أن‏ ‏تفتح‏ ‏السراي‏ ‏أبوابها‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏ليلة‏ ‏للجميع‏ ‏لا‏ ‏فرق‏ ‏بين‏ ‏غني‏ ‏وفقير. ‏
وكان فاروق يعتمد يوما في الشهر للإفطار مع موظفي القصر، وفي عام 1941، أقام فاروق مأدبة حضرها 400 موظف من أكبر درجة أو أصحاب المعالي إلى الأفندية وموظفي الدرجة التاسعة، وسمح الملك بالتيسير على صغار الموظفين بأن يحضر جميع المدعوين بالثياب العادية الغامقة، وفقا لما نشرته مجلة «المصور» في عددها الصادر في 24 أكتوبر ١٩٤١.
وأوضحت المجلة أن المأدبة كانت فاخرة، وقدم فيها البرتقال، والسجائر، وحساء ساخن بالخضر، وحمل بلدي بالخلطة، وفاصوليا بالدجاج، وديك رومي فاخر بالبطاطس، وأرز مع لبن زبادي، وحلاوة بالقشدة، وخُشاف، وفواكه، وقهوة.
بالفيديو والصور.. شاهد كيف كان الملك فاروق يستقبل رمضان
ونشرت «المصور»، في عام 1950، خبرا ذكرت فيه أنه في 6 يوليو 1950 الموافق 21 رمضان 1369، دعي الملك فاروق إلى وليمة إفطار في قصر «عابدين»، ووجه الدعوة إليها كبير الأمناء عبد اللطيف طلعت، كما دعا طلبة البعوث الإسلامية وجنوب الوادي الذين يتعلمون بالأزهر، وكانت تلك المائدة علامة من علامات شهر رمضان، وكان يقدم فيها أشهى المأكولات والأصناف التي لم يكن يعرفها الشعب وقتها.
وقالت المجلة إن قائمة الإفطار كانت تضم فطائر بالجبن واللحم، وفول بالبيض، وأوزي بالمكرونة، وتورلي على الطريقة الشرقية، وأرز وكباب ودجاج محمر بالبطاطس، وقطايف باللوز، وقمر الدين، كما كان يعقب تلك الوليمة أمسية دينية وتواشيح وتلاوة قرآن بصوت الشيوخ محمد الصيفي، ومصطفى إسماعيل، وعبد الفتاح الشعشاعي.
وأضافت المجلة أن فاروق لم يشأ أن يحرم من هذا العطف جميع من يتشرفون بخدمة السراي، فأمر بأن يأكل الخدم والسائقون والجناينية من نفس الطعام الذي أكل منه الملك.
قصر «رأس التين» في رمضان
كان قصر رأس التين بالإسكندرية يتزين بالأنوار منذ الليلة الأولى في شهر رمضان، وبعد الإفطار، كان الوزراء والكبراء ورجال الدولة يأتون إلى القصر ليستمعوا، في أول أيام الصوم، إلي القرآن الكريم، وكان يُذاع من القصر كل عام، وكان يُقام سرادق يتسع لحوالي 5 آلاف شخص، ويمتلئ كل ليلة بأبناء الإسكندرية من مختلف الطبقات.
وكتبت صحيفة «الأهرام»، في صفحتها الأولى في 21 أكتوبر 1939، خبرا بعنوان «جلالة الملك يتصدر مأدبة الإفطار في قصر رأس التين»، شارك فيها الأمراء محمد علي، ويوسف كمال، ومحمد علي حسن، ومحمد علي إبراهيم، وعلي ماهر باشا، والشيخ مصطفى المراغي، بالإضافة لمحمد علوبة باشا، والنقراشي باشا، وحسين سري باشا.
الصورة من صفحة «أهل مصر زمان» على «فيس بوك»
وقالت مجلة «المصور» في عددها الصادر في 23 يونيو 1950، في تقرير لها عن تلك المأدبة التي سجلتها عدسة المصور رياض شحاتة: «عندما انطلقت قذيفة مدفع الإفطار سلطت الأضواء الكشافة على قصر رأس التين فبدت معالم جماله، وبعد الإفطار بدأ الوزراء والكبراء ورجال الدولة يفدون على القصر العامر ليستمعوا إلى القرآن الكريم، وأقيم سرادق متسع الجنبات على مقربة من القصر لاستقبال الذين يريدون أن يستمعوا إلى آيات الذكر الحكيم».
وأضافت المجلة: «وذهب سرب من سيدات الثغر إلى السرادق رغبة في الاستماع إلى القرآن، لكن قيل لهن إن التقاليد لا تعرف ذلك، فاكتفين بالجلوس على الحشائش قريبا من السرادق، وبعد لحظات أقبل فريق من جنود الجيش المصري المعسكرين بثكنات مصطفي باشا، على هيئة طوابير، ثم أخذوا أمكنتهم داخل السرادق».
وفي وصف السرادق، قالت «المصور»: «يتسع السرادق لـ5 آلاف نفس، وهو يموج كل ليلة بأبناء الشعب من مختلف الطبقات، وهى مأدبة إفطار ملكية دُعي إليها الأمراء والوزراء ورجال الأزهر والسلك السياسي ورؤساء وفود جامعة الدول العربية، كما أقيم سرادق كبير في حديقة القصر على قرب السلاملك، ثم تفضل جلالة الملك فصافح المدعوين بيده الكريمة، بعد أن حياهم وهو يدخل السرادق بقوله (كل عام وأنتم بخير)، وسمح لأعضاء وفود جامعة الدول العربية أن يشهدوا المأدبة بملابسهم العادية فكانت مفاجأة كريمة لهم».
وقالت المجلة: «وصافح الملك مدعويه بنفسه، وسمح لأعضاء وفود جامعة الدول بأن يحضروا الموائد بملابسهم العادية، فكانت مفاجأة لهم، وفجأة انقلب الجو وهب نسيم بارد من البحر، وكان بعض المدعوين يرتدون ملابس الصيف الخفيفة، فأحسوا بهذا التغيير فأسرعوا بعد الإفطار ينشدون شيئاً من الدفء».
وأضافت: «وبعد انتهاء الآذان دار السفرجية على الحاضرين بأكواب من شراب الورد، ووضع النحاس باشا رئيس الوفد بضع قطرات من الدواء في كوبه، فتمنى له الحاضرون الشفاء».
وتابعت: «بعد أن انتهى المدعوون من تناول الإفطار، وقف جلالة الملك وقال لضيوفه (كل عام وأنتم بخير.. وأرجو أن تشعروا أنكم في بيوتكم)، ثم انصرف جلالته، وتناول الحاضرون القهوة والسجائر، وأمَّ الأمير عبدالكريم الخطابي بعض المدعوين، وأمَّ الشيخ أبوالعيون غيرهم في ركن آخر من أركان السرادق، ولم ينس رجال القصر أولئك الذين ساروا في خدمة كبار المدعوين وهم سائقو السيارات، فأقيمت لهم مأدبة أخرى تناولوا عليها الطعام».
مأدبة للمتفوقين
اعتاد الملك فاروق في الأربعينات أن يكرم الطلبة المتفوقين، ويدعوهم إلى مائدة إفطار رمضان في أحد القصور الملكية، سواء في قصر «رأس التين» بالإسكندرية، أو «قصر عابدين» بالقاهرة.
وكانت من عادة الملك فاروق عمل مأدبة الإفطار للعمال وطلبة الأزهر والمتفوقين والموظفين وغيرهم طوال شهر رمضان.
«مطعم الملك فاروق الخيري»
لم تكن المآدب الملكية هي المكان الوحيد لحصول الفقراء على الطعام، بل كان يوجد مطعم «الملك فاروق الخيري»، الذي كان يقدم «الطبيخ» والعيش لمن يريد.
ونشرت مجلة «المصور»، في عددها الصادر بتاريخ ٣ أكتوبر ١٩٤١، بعض الصور التي التقطتها عدسة المجلة تصف رحلة أسرة فقيرة للذهاب إلي المطعم وتناولهم حصتهم من الغذاء وأخيرا إفطارهم في منزلهم.
وعلقت المجلة على الصورة الأولى التي تبين وقوف الأسرة أمام المطعم، قائلة: «أقبلت الأسرة علي مطعم فاروق وتحمل (الحلة) الفارغة وتخلف الزوج وطفلاه ليتسلموا الطعام»، وفي الصورة الثانية، قالت: «نالت الزوجة ملء حلتها من الخبز وهي ثمانية أرغفة كاملة»، وعلقت علي الصورة الثالثة، قائلة: «أثناء رجوعهم إلي المنزل صارت الأسرة في طريقها إلي المنزل والزوجان فرحان وقد فضلت الزوجة أن تحمل الطعام كله بدلا من أن ترهق طفلها بحمل الخبز في السلة الفارغة المعلقة بيده».
وفي الصورة الأخيرة كانت للأسرة وهي تتناول طعام الإفطار بعد وصولهم إلي دارهم، قائلة: «وانطلق المدفع مؤذنا بساعة الإفطار ويأكلون في سرور».
مائدة الملك فاروق الخاصة مع أسرته
http://www.queennarriman.com/Assets/Images/Gallery/q24.jpg
نشرت مجلة «المصور» تفاصيل ما يحدث داخل القصر الملكي في رمضان، وكشفت في تقرير لها عام 1950 عن وجبة الإفطار التي يتناولها الملك فاروق مع أسرته، قائلة: «كانت مائدة الملك الخاصة التي يجلس إليها ليتناول إفطاره مع أسرته كانت بسيطة، لا تتسم بالبذخ، وتضم عادة أصنافا بسيطة، وكانت قائمة الطعام الملكية، لا تضم سوى صنف واحد من اللحوم، وفطائر، وبيض بالبسطرمة، وأرز، وبطاطس، وطبق المسقعة المُفضل، ثم الكنافة، والفواكه».
أول صلاة جمعة في رمضان
كان‏ من عادة ‏الملك فاروق‏ أداء‏ ‏أول‏ ‏صلاة‏ ‏جمعة‏ ‏في‏ ‏شهر‏ رمضان ‏بمسجد‏ ‏«الرفاعي»‏ بالقاهرة ‏مع‏ ‏العلماء‏ ‏والكبراء، ولم يمنع الحراس أحد ‏من‏ ‏الصلاة‏ ‏ ‏مع ‏الملك‏.
ليلة القدر
كان الاحتفال بليلة القدر عادة عند الملك ما يقيم لها احتفالا يحضره رجال الدولة ورجال الدين، يتلى فيها القرآن والخطب الدينية.
ونشر موقع «الملك فاروق» تسجيلا إذاعيا نادرا لتلاوة قرآنية بصوت القارئ مصطفى إسماعيل، في الاحتفال بليلة القدر 27 رمضان 1366ه، الموافق 14 أغسطس 1947، في قصر رأس التين بالإسكندرية، بحضور الملك فاروق الأول، والرئيس السوري شكري القوتلي، ورئيس الوزراء بالنيابة وقتها.
ووفقا للموقع، بحث الناس وقتها عن مكان يوجد فيه مذياع، حيث تزاحموا حول الجهاز الصغير، وحان موعد إذاعة رسالة الملك إلى شعبه المحبوب ليهنئهم بشهر رمضان، وخرجت تلك الكلمات من المذياع، وما كاد الناس ينتهون من إفطارهم، حتى خرج من لا يمتلك آلة راديو إلى المقاهي أو البيوت التي يوجد بها آلة إذاعة.
«الجمعة اليتيمة» في رمضان
الملك فاروق فى رمضان
‏كان فاروق مواظبا على صلاة الجمعة الأخيرة من شهر رمضان أو «الجمعة اليتيمة» في مسجد «عمرو بن العاص»، وكانت هذه الجمعة تحظى باهتمام الملك والشعب، وكان الموكب الملكي يتقدمه خيالة الحرس الملكي، وتسير حوله وتتعقبه في نهايته الفرسان، وتجر العربة الملكية 8 خيول، وكانت العربة مغلقة ولها نوافذ من الكريستال، ويستقلها الملك وخلفه كبير «الياوران»، وتتبعها عربات رئيس الوزراء والوزراء والحاشية الملكية.
وبعد ذلك أصبحت المواكب الملكية تتكون من السيارات وحولها الموتوسيكلات، وخرجت مجلة «المصور»، في 24 أكتوبر ١٩٤١، لتقدم متابعة مصورة للشعائر الدينية الرمضانية التي شارك فيها الملك فاروق في يوم الجمعة الأخيرة من رمضان، وهي الاحتفالية التي شاركت فيها طوائف من الشعب، ورجال القصر، وأفراد العائلة المالكية، رجالا ونساء، وجاءت التغطية تحت عنوان «الملك وشعبه في صلاة الجمعة اليتيمة».
وقالت المجلة: «وكان الملك فاروق قد أدى صلاة الجمعة في مسجد السيدة زينب، وخرج أهل الحي لتحية الملك علي جانبي الطريق»، ووصفتهم المجلة تحت عنوان «الوجوه المستبشرة» بقولها «خف أهل الحي الزينبي لاستقبال المليك والتمتع برؤية موكبه في ذهابه وإيابه إلي المسجد وها هي طائفة من سكان الحي، اصطفت علي الرصيف تتطلع للموكب الملكي، واستبشرت الوجوه برؤية مليكها».
بالفيديو والصور.. شاهد كيف كان الملك فاروق يستقبل رمضان

سفيان الثوري


نسبه ومولده
إنه أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري رحمه الله تعالى، من قبيلة
ثور وهي قبيلة من مضر، ولد -رحمه الله- سنة سبع وتسعين للهجرة، ودرس على يدي
أبيه سعيد بن مسروق ، الذي كان ثقة عند المحدثين، وأخرج له أصحاب الكتب الستة

طلبه للعلم ورحلته
طلب سفيان العلم وهو حدثٌ باعتناء والده المحدث الصادق، وأمه كان لها أثر حسن في
توجيهه، فقد كانت امه تقول له : يا بني ! اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي
كانت تعمل بالغزل وتقدم لولدها نفقة الكتب والتعلم
وقالت له مرة: يا بني! إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادة في خشيتك
وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك 


من هذا البيت خرج هذا الرجل، فالتربية التربية يا عباد الله! فإن النشء يخرج هكذا
أفنى عمره في طلب العلم وطلب الحديث، وقال رحمه الله
لما أردت أن أطلب العلم قلت: يا رب! لا بد لي من معيشة، ورأيت العلم يُدرس
أي: يذهب ويندثر تدريجياً- فقلت: أفرغ نفسي في طلبه 
وسألت الله الكفاية


وقال: ينبغي للرجل أن يكره ولده على طلب الحديث، فإنه مسئول عنه 

وكان رحمه الله يقول: لا نزال نتعلم العلم ما وجدنا من يعلمنا

وقال: لو لم يأتني أصحاب الحديث ليسمعوا ويكتبوا لأتيتهم في بيوتهم 

وبلغ عدد شيوخه ستمائة شيخ، وعن المبارك بن سعيد قال
رأيت عاصم بن أبي النجود -وكان شيخاً جليلاً- يجيء إلى سفيان الثوري يستفتيه
ويقول: يا سفيان ! أتيتنا صغيراً وأتيناك كبيراً
أي: أتيتنا صغيراً تطلب العلم عندنا فتفوقت علينا فجئناك وأنت كبير

وكان يكتب ويتعلم حتى آخر عمره يشتغل بطلب العلم
دخلوا على سفيان في مرض موته، فحدثه رجل بحديث أعجبه، فضرب سفيان بيده إلى
تحت فراشه فأخرج ألواحاً فكتبه -كتب الحديث وهو على فراش الموت- فقالوا له
على هذه الحال منك؟
فقال: إنه حسن! إن بقيت فقد سمعت حسناً، وإن مت فقد كتبت حسناً 

رحل إلى مكة والمدينة ، وحج ولم يخط وجهه بعد، وزار بيت المقدس ، ورحل إلى
اليمن للقاء معمر ، وكانت أسفاره ما بين طلب علم وتجارة وهرب
عن الوليد بن مسلم قال: رأيت سفيان الثوري بـمكة يستفتى ولم يخط وجهه بعد
وعن أبي المثنى قال
سمعت الناس بـمرو يقولون: قد جاء الثوري قد جاء الثوري ، فخرجت أنظر إليه فإذا
هو غلام قد بقل وجهه. أي: نبت شعره من قريب، كان ينوه بذكره في صغره من فرط
ذكائه وقوة حفظه

وقال محمد بن عبيد الطنافسي
لا أذكر سفيان الثوري إلا وهو يفتي، أذكره منذ سبعين سنة، ونحن في الكتاب تمر بنا
المرأة والرجل فيسترشدوننا إلى سفيان يستفتونه ويفتيهم

ولما رآه أبو إسحاق السبيعي مقبلاً في صغره تمثل بقول الله: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبيّاً

حفظه للحديث
كان ذا حافظة عجيبة، قال سفيان عن نفسه: ما استودعت قلبي شيئاً قط فخانني
وكانوا يقدمونه في الحفظ على مالك وعلى شعبة، وقال يحيى القطان
ليس أحد أحب إليَّ من شعبة ولا يعدله أحد عندي، وإن خالفه سفيان أخذت بقول سفيان
وقد خالفه في نحو من خمسين موضعاً في حفظ الأحاديث، وكان الحق فيها مع سفيان

وكان ليله يُقسم جزأين: جزء لقراءة القرآن وقيام الليل، وجزء لقراءة الحديث وحفظه
وكان حفظه يبلغ نحواً من ثلاثين ألفاً
وقال ابن عيينة: ما رأيت رجلاً أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري 

وقال شعيب بن حرب
إني لأحسب أن يُجاء غداً بـسفيان حجة من الله على خلقه يقول لهم: لم تدركوا نبيكم
قد أدركتم سفيان
 


وقد كانت مرافقة الرجل له شرف كبير 
فقال أبو بكر بن عياش : إني لأرى الرجل يصحب سفيان فيعظم في عيني

عمله بالعلم
وقال عبد الرحمن بن مهدي : سمعت سفيان يقول
ما بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط إلا عملت به ولو مرة واحدة 
كان يحس بالمسئولية، ويخشى أن يقابل الله فيسأله عن كل حديث حفظه: لأي شيء
حفظته؟ وهل عملت به؟ رحمه الله تعالى.

دقته في الاستنباط
وكان له دقة عجيبة في الاستنباط والفقه، فعن الفريابي قال
رأينا سفيان الثوري بـالكوفة ، وكنا جماعة من أهل الحديث، فنزل في دار، فلما حضرت
صلاة الظهر دلونا دلواً من بئر في الدار، فإذا الماء متغير -متغير بشيء من النجاسة
فقال: ما بال مائكم هذا؟
قلنا: هو كذا منذ نزلنا هذه الدار
فقال: ادلوا دلواً من ماء البئر التي قبلكم، ففعلنا فإذا هو ماء أبيض
فقال: ادلوا دلواً من بئر الدار التي شرقيكم، ف
ففعلنا فإذا هو ماء أبيض
ثم قال: ادلوا دلواً من بئر الماء التي غربيكم، ففعلنا فإذا هو ماء أبيض
فقال: ادلوا دلواً من ماء البئر التي شأمكم، فدلوا دلواً فإذا هو ماء أبيض
فقال: إن لبئركم هذه شأناً، كل ما حولها من الآبار نظيفة إلا هذه التي أنتم فيها
فحفرنا فأصبنا عرق كنيف ينزل فيها  أي عرق من مرحاض ينزل إلى هذه البئر فينجسها
فقال: منذ كم نزلتم هذه الدار؟
فقلنا: منذ أربع سنين
فأمر بإعادة صلاة أربع سنين

وكان -رحمه الله تعالى- حكيماً في تعليمه، وكان يقول
إذا كنت في الشام فاذكر مناقب علي ؛ لأن بعضهم في تلك البلد كانوا يشتمون علياً
وإذا كنت في الكوفة فاذكر مناقب أبي بكر و عمر ؛ لأن بعض المتشيعين في الكوفة
كان يقع في أبي بكر و عمر


وقال ابن المبارك رحمه الله
تعجبني مجالس سفيان الثوري ، كنت إذا شئت رأيته في الحديث، وإذا شئت رأيته
في 
الفروع، وإذا شئت رأيته مصلياً، وإذا شئت رأيته غائصاً في الفقه

عبادته وخشيته لله
قال يوسف بن أسباط
قال لي سفيان بعد العشاء: ناولني المطهرة أتوضأ، فناولته فأخذها بيمينه ووضع يساره
على خده، فبقي مفكراً، فنمت ثم قمت وقت الفجر فإذا المطهرة في يده كما هي
فقلت: هذا الفجر قد طلع 
قال: لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكر في الآخرة حتى هذه الساعة

وكان عجيباً في قيامه لليل، كان يقوم الليل حتى الصبح في أيام كثيرة، وكان يرفع رجليه
على الجدار بعد قيام الليل حتى يعود الدم إلى رأسه

ومرة قدم على عبد الرزاق، فقال عبد الرزاق
طبخت له قدر سكباج -لحم مع خل- فأكل، ثم أتيته بزبيب الطائف فأكل، ثم قال
يا عبد الرزاق ! اعلف الحمار ثم كده، وقام يصلي حتى الصباح

وقال علي بن الفضيل : رأيت الثوري ساجداً، فطفت سبعة أسابيع -سبعة أشواط حول
الكعبة- قبل أن يرفع رأسه 


وقال ابن وهب : رأيت الثوري في الحرم بعد المغرب سجد سجدة فلم يرفع رأسه حتى
نودي للعشاء 


وكانت خشيته لله أبلغ من أن توصف، قال قبيصة
ما جلست مع سفيان مجلساً إلا ذكرت الموت، وما رأيت أحداً أكثر ذكراً للموت منه

وقال سفيان : البكاء عشرة أجزاء
جزء لله، وتسعة لغير الله، فإذا جاء الذي لله في العام مرة فهو كثير

زهده وورعه وتواضعه
وكان زاهداً  أقبلت عليه الدنيا فتركها وأخذ كفايته حتى لا يحتاج إلى الناس، وربما اشتغل
ببيع وشراء لأجل ألا يحتاج إلى الناس ولا يمد يده، وكان له وصايا في الزهد، فكان يقول
ليس الزهد بأكل الغليظ ولبس الخشن، ولكن قصر الأمل وارتقاب الموت

وكان يوصي من يخرج في سفر ألا يخرج مع من هو أغنى منه، فيكون إن ساويته بالنفقة
أضر بك، إذا أنفقت مثله وهو أغنى منك أضر بك، وإن أنفقت أقل منه ظهرت كأنك بخيل
فاخرج مع من هو مثلك
وأما إنكاره للمنكر فكان شائعاً كثيراً، قال شجاع بن الوليد
كنت أحج مع سفيان فما يكاد لسانه يفتر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ذاهباً وراجعاً

وكان استشعاره لمسئولية إنكار المنكر عظيمة، وخصوصاً الشيء الذي لا يستطيع
تغييره فعن ابن مهدي قال
كنا مع الثوري جلوساً بـمكة ، فوثب وقال
النهار يعمل عمله قوموا نعمل، الجلوس إذا كان 
مضيعة للوقت لا خير فيه

وتواضعه كان عجيباً، وإزراؤه على نفسه كان كثيراً
قال ابن مهدي : بت عنده فجعل يبكي فقيل له عن سبب بكائه، فقال
لذنوبي عندي أهون من ذا -ورفع شيئاً من الأرض- ولكني أخاف أن أسلب الإيمان
قبل أن أموت
كان يخشى الله عز وجل في علمه وعمله، وهذه صور من التقوى والورع، وما خفي
علينا ولم ينقل إلينا أعظم بكثير.

ابتعاده عن الأمراء والسلاطين ونصحه لهم
ولما استخلف المهدي بعث إلى سفيان فلما دخل عليه خلع خاتمه -الخليفة يخلع خاتمه
لـسفيان - فرمى به إلى سفيان وقال
يا أبا عبد الله ! هذا خاتمي فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة
فأخذ الخاتم بيده وقال: تأذن بالكلام يا أمير المؤمنين
قال الخليفة: نعم
قال: أتكلم على أني آمن؟
قال: نعم
قال سفيان : لا تبعث إليَّ حتى آتيك، ولا تعطني حتى أسألك 
فغضب الخليفة وهمَّ به، فقال له كاتبه: أليس قد آمنته؟
قال: بلى
فلما خرج سفيان حس به أصحابه، فقالوا
ما منعك وقد أمرك أن تعمل في الأمة بالكتاب والسنة؟
فاستصغر عقولهم وخرج هارباً إلى البصرة ، وكان يقول
ليس أخاف إهانتهم، إنما أخاف كرامتهم فلا أرى سيئتهم سيئة
أي: إذا أكرموني تغاضيت عن الحق ولا أرى سيئتهم سيئة

وكان ينكر عليهم الإسراف في الولائم في مواسم الحج، فعن محمد بن يوسف
الفريابي : سمعت سفيان يقول
أُدخلت على أبي جعفر بـمنى فقلت له: اتق الله، فإنما أنزلت في هذه المنزلة وصرت
في 
هذا الموضع بسيوف المهاجرين والأنصار وأبنائهم وهم يموتون جوعاً، حج عمر
فما أنفق إلا خمسة عشر ديناراً وكان ينزل تحت الشجر
فقال الخليفة لـسفيان : أتريد أن أكون مثلك؟
قلت: لا. ولكن دون ما أنت فيه وفوق ما أنا فيه
فقال: اخرج

ولما أُدخل على المهدي بـمنى وسلم عليه بالإمرة، فقال الخليفة:
أيها الرجل! طلبناك فأعجزتنا، فالحمد لله الذي جاء بك، فارفع إلينا حاجتك
قال: وما أرفع؟ حدثني إسماعيل بن أبي خالد قال: حج عمر فقال لخازنه: كم أنفقت؟
ق
ال: بضعة عشر درهماً، قال عمر: أسرفنا
وإني أرى هنا أموراً لا تطيقها الجبال


تنقله في البلاد هارباً ودفنه لكتبه
أما هرب سفيان وتنقله في البلاد هارباً فترة من عمره ودفنه لكتبه، فكان بسبب أن
الخليفة أبا جعفر أراده على القضاء، فأبى أن يتولاه، فأراد أن يلزمه به، وكان يسجن
ويضرب حتى يرضخ القاضي للقضاء، فهرب سفيان ، ولا زال هارباً متخفياً، وهو مع
هربه يطلب الحديث ويطلب العلم ويعبد الله

قال أبو أحمد الزبيري : كنت في مسجد الخيف مع سفيان والمنادي ينادي: من جاء
بـسفيان فله عشرة آلاف

وقيل: إنه من أجل الطلب والملاحقة هرب إلى اليمن، فاتهموه -وهم لا يعرفونه في
اليمن - بأنه سرق شيئاً؛ فأتوا به والي اليمن معن بن زائدة ، وكان عنده خبر من
الخليفة بشأن طلب سفيان، فقيل للأمير: هذا قد سرق منا
فقال: لم سرقت متاعهم؟ 
قال سفيان : ما سرقت شيئاً
فقال لهم الأمير: تنحوا حتى نسائله -حتى أحقق معه- ثم أقبل على سفيان فقال
ما اسمك؟
فقال: عبد الله بن عبد الرحمن، وأراد ألا يكذب ولا يذكر اسمه لأنه مطلوب عند الخليفة
فقال الأمير: نشدتك بالله لما انتسبت ؟
فكان لا بد أن يجيب، قال: فقلت: أنا سفيان بن سعيد بن مسروق 
قال: الثوري ؟ 
فقلت: الثوري
قال: أنت بغية أمير المؤمنين؟
قلت: أجل 
فأطرق ساعة يفكر ثم قال:
ما شئت أقم ومتى شئت فارحل، فوالله لو كنت تحت قدمي ما رفعتها 
أي: أحميك وأدافع عنك، وكان معن بن زائدة فيه خير كثير

وهرب إلى البصرة أيضاً، قال ابن مهدي
قدم سفيان البصرة والسلطان يطلبه، فصار إلى بستان، فأجر نفسه لحفظ الثمار
صار ناقوراً حارساً يحفظ الثمار، فمر به بعض العشارين الذين يأخذون أجزاء الثمار
للوالي فقال: من أنت يا شيخ؟ 
قال: من أهل الكوفة
فقال: أرطب البصرة أحلى من رطب الكوفة؟
قال: لم أذق رطب البصرة
قال: ما أكذبك! البر والفاجر والكلاب يأكلون الرطب الساعة
فرجع العامل إلى الوالي فأخبره ليعجبه بهذا الخبر العجيب
فقال الوالي:
ثكلتك أمك
أدركه فإن كنت صادقاً فإنه سفيان الثوري فخذه لنتقرب به إلى أمير المؤمنين
فرجع في طلبه فما قدر عليه.
ولاحقه أبو جعفر ملاحقة شديدة وجدَّ في طلبه فاختفى الثوري بـمكة عند بعض المحدثين

وفاته رحمه الله وثناء العلماء عليه
واستمر هذا الرجل على العطاء، وكان قد دفن كتبه فلما أمن استخرجها مع صاحب له
فقال صاحبه: في الركاز الخمس يا أبا عبد الله
فقال: انتق منها ما شئت 
فانتقيت منها أجزاء فحدثني بها

استمر -رحمه الله- عابداً لربه مستمراً على العهد الذي بينه وبين الله علماً وتعليماً
وعبادة حتى جاءه الأجل ووافاه قدر الله سبحانه وتعالى بالموت في البصرة ، في شعبان
سنة إحدى وستين ومائة للهجرة، وقد غسله عبد الله بن إسحاق الكناني

قال يزيد بن إبراهيم:
رأيت ليلة مات سفيان قيل لي في المنام: مات أمير المؤمنين -أي: في الحديث
ولم يتمكن إخوانه وأصحابه من الاجتماع للصلاة عليه، فجعلوا يفدون إلى قبره يوم
وفاته ودفن وقت العشاء
وعن بعض أصحاب سفيان قال: مات سفيان بـالبصرة ودفن ليلاً ولم نشهد الصلاة عليه
وغدونا على قبره ومعنا جرير بن حازم و سلام بن مسكين من أئمة العلم، فتقدم جرير
وصلى على قبره ثم بكى وقال:
إذا بكيت على ميت لمكرمة فابك غداة على الثوري سفيان
وسكت، فقال عبد الله بن الصرباح
أبكي عليه وقد ولى وسؤدده وفضله ناظـر كالغسـل ريان

وقال سعيد 
رأيت سفيان في المنام يطير من نخلة إلى نخلة وهو يقول: الحمد لله الذي صدقنا وعده

وقال إبراهيم بن أعين :
رأيت سفيان بن سعيد بعد موته في المنام، فقلت: ما صنعت؟ 
فقال: أنا مع السفرة الكرام البررة 

قال أحمد بن حنبل رحمه الله
قال لي ابن عيينة : لن ترى بعينك مثل سفيان الثوري حتى تموت
وقال الأوزاعي
لو قيل لي اختر لهذه الأمة رجلاً يقوم فيها بكتاب الله وسنة نبيه لاخترت لهم سفيان الثوري 

وقال ابن المبارك 
كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان
و
ما نُعت إلي أحد فرأيته إلا كان دون نعته -دون الوصف- إلا سفيان الثوري

وقال ابن أبي ذئب
ما رأيت أشبه بالتابعين من سفيان الثوري  
رحمه الله رحمة واسعة




الثلاثاء، 8 سبتمبر 2015

روايات رائعة من أدب أمريكا اللاتينية يجب أن تقرأها


يتألف أدب أمريكا اللاتينية من أدب البلاد الناطقة بالأسبانية في الجزء الغربيّ من الكرة الأرضية، ومن أدب بورتوريكو، وأدب البرازيل الناطقة بالبرتغالية.  و قد تفوق هذا الأدب و أدهش العالم و لا يزال، و رغم أن بلدانه تنتمي إلى دول العالم الثالث مثلنا، إلا أن أدباؤه استطاعوا أن يحصدوا كماً كبيراً من الجوائز العالمية.
اخترت لك هذه الروايات الرائعة من أدب أمريكا اللاتينية، رغم أن الاختيار كان صعباً للغاية لوجود عدد كبير من الأعمال الأدبية العظيمة التي تستحق أن تكون في هذه القائمة.

الكاتب العالمي غابرييل غارسيا ماركيزمائة عام من العزلة
مائة عام من العزلة ( غابرييل غارسيا ماركيز )
عمل أدبي دخل التاريخ من أوسع أبوبه، حازت على جائزة نوبل في الآداب عام 1982، طبع منها 30 مليون نسخة و ترجمت لأكثر من 30 لغة.
يروي فيها ماركيز سيرة عائلة “بوينديا” على مدى ستة أجيال تمتد لعشرة عقود من الزمن، تعيش العائلة في قرية خيالية تدعى “ماكوندو”،  و تمتزج فيها قوة البناء السردي مع الخيال الجامح و سحر الغرابة التي تميز ماركيز و قدرته العظيمة على الإدهاش و تجاوز توقعات القراء.
لا شك أن هذه الرواية تبرز عبقرية ماركيز الذي تمكن من كتابة رواية متداخلة كل هذا التداخل و تتكون من 500 صفحة و تقع أحداثها في مئة عام و لا يوجد في شجرة العائلة إلا اسمين اثنين , أورليانو و خوسيه أركاديو.
لقد نجح الكاتب ببراعة أن يخلق تاريخ قرية كامل من نسج خياله، و من أجمل الافكار التي أراد الكاتب إيصالها للقاريء ان الزمن لا يسير في خط مستقيم بل في دائرة : “فكلما تلاشت الأحداث من ذاكرتنا أعادها الكون لكن في شخصيات و أزمنة مختلفة”.
باختصار فإن هذه واحدة من الروايات التي يجب أن تقرأها قبل أن تموت، و ربما تحتاج أن تقرأها أكثر من مرة!
تحميل الرواية من هنا أو هنا.

بدرو بارامو
بدرو بارامو ( خوان رولفو )
رواية من تأليف خوان رولفو الذي يُعَد الكاتب المكسيكي الأشهر والأب الروحي للواقعية السحرية في أدب أمريكا اللاتينية. و لهذه الرواية تأثير كبير في التعريف باتجاه الواقعية السحرية وهي من أشهر مدارس الكتابة في أمريكا اللاتينية.
تم وضعها في قائمة أهم مئة كتاب في تاريخ الأدب العالمي قاطبةً، وعدّها نقاد وكتاب أميركا اللاتينية أفضل رواية في القرن العشرين وفي تاريخ رواية أميركا اللاتينية، وهي تسبق حتى روايات أخرى مهمة وأكثر شهرة مثل مائة عام من العزلة لماركيز. وهناك إجماع على أن روايته إن لم تكن وضعت حجر الأساس للرواية اللاتينية التي ستكتب في ما بعد، فعلى الأقل ـ حسب رأي النقد الجاد ـ قد وضعت رواية أميركا اللاتينية على الطريق الخالدة والحقيقية للرواية العالمية.
وقد كتب ماركيز في ذكرى قراءته الأولى للرواية : “صعد ألبارو موتيس بخطوات واسعة الستة أدوار للوصول إلى منزلي ومعه الكثير من الكتب, وقد قام بفصل الأكثر صغراً والأكثر قصراً من ذلك الكم الهائل، وقال لى وهو يكاد يموت من الضحك: فلتقرأ تلك اللعنة، لكي تتعلم! وقد كانت تلك هي رواية بيدرو بارامو، وفي تلك الليلة لم أستطع النوم حتى انتهي من قراءتي الثانية لها.”
تحميل الرواية من هنا.


بيت الأرواح
بيت الأرواح (اليزابيل اللندي)
بيت الأرواح رواية للكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي كتبتها عام 1982، و تحولت إلى فلم عام 1993.
في البداية عارضت أكثر من دار نشر أسبانية نشر الرواية ، و لكن دار النشر الوحيدة التي قبلت بها في برشلونة أصدرت الطبعة الأولى عام 1982م ، ومنذ نشرها اكتسحت الأسواق و حققت أعلى المبيعات. بل أن هذه القصة هي التي أوصلت مؤلفتها إلى النجومية . حازت الكاتبة على هذه الرواية جائزة الأدب البانورامي ، كما أنها ترجمت إلى ما يقارب الثلاثين لغة .
تدور بداية أحداث الرواية نهاية القرن التاسع عشر، في مدينة بلا اسم، في أمريكا الجنوبية، وهي تروي مجريات عائلة ترويبا، غرامياتهم وطموحاتهم والتماساتهم الروحية، علاقاتهم ببعضهم البعض، ودورهم في مجريات زمنهم وتاريخهم، ذلك التاريخ الذي أصبح قدراً تجاوزهم جميعاً.
تحميل الرواية من هنا.


الحب في زمن الكوليرا
الحب في زمن الكوليرا (غابريل غارسيا ماركيز)
الكاتب الكولومبي غابرييل عارسيا ماركيز في عام 1987
غابرييل ماركيز صحبة فيديل كاسترو في عام 2000
هذه الرواية من أفضل ما قرأت، نشرت عام 1985 و قد تم تحويلها إلى فلم يحمل نفس اسم الرواية، الكاتب أسلوبه شيق و مؤثر، لا سيما في سرد الأحداث ووصفه للمشاعر الانسانية،  و البعض يراها تتفوق على مائة عام من العزلة.
تروي أحداث الرواية قصة حب رجل وامرأة منذ المراهقة، وحتى ما بعد بلوغهما السبعين، وتصف ما تغير حولهما وما دار من حروب أهليه في منطقة الكاريبي وحتى تغيرات التكنولوجيا وتأثيراتها على نهر مجدولينا في الفترة من أواخر القرن التاسع عشر حتى العقود الأولى من القرن العشرين.
كما أنها ترصد بدقة الأحوال في هذه المنطقة من العالم من حيث الأحوال الاقتصادية والأدبية والديموغرافية دون التأثير على انتظام الأحداث وسيرها الدقيق مما يضعنا أمام كاتب يمسك بأدواته على أحسن ما يكون.
اقتباسات من الرواية :
– ” ذاكرة القلب تمحو كل الذكريات السيئة، وتضخم الذكريات الطيبة، وإننا بفضل هذه الخدعة نتمكن من تحمل الماضى.”
– ” علمته الشىء الوحيد الذى عليه أن يتعلمه عن الحب ,و هو أن أحداً لا يستطيع تعليم الآخرين الحياة.”
– ” سرعان ما أدركت أن رغبتها في نسيانه كانت أقوى محرّض لتذكره.”
– ” إن الإنسانية كالجيوش في المعركة، تقدمها مرتبط بسرعة أبطأ أفرادها.”
الحب في زمن الكوليرا من العلامات الفارقة في عالم الرواية و تستحق ما نالته من شهرة و بالتأكيد تستحق القراءة.
تحميل الرواية من هنا أو هنا.


حفلة التيس
حفلة التيس (ماريو فارغاس يوسا)
رواية للكاتب ماريو فارغاس يوسا الحائز على جائزة نوبل في الآداب 2010، و هي تحفة أدبية مذهلة صاغها يوسا من حالة إنسانية سوداوية يرتبط وجودها واستمراريتها بوجود البشرية،  حالة الطغيان والاستبداد وتأليه البشر، حالة الولاء الأعمى وثقافة القطيع.
تتحدث الرواية عن مرحلة تاريخية قاتمة في حياة جمهورية “الدومنيكان” الصغيرة  وتسلط الضوء في حقبة تاريخية سوداء مليئة بالفظائع تحت حكم ديكتاتور نصَّب نفسه إلهاً على تلك الأرض.
تحميل الرواية من هنا.
الخيميائي
الخيميائي ( باولو كويلو )
تصنف من روائع الأدب المعاصر، حققت نجاحاً عالمياً باهراً، جعل كاتبها من أشهر الكتاب العالميين، و تعد ظاهرة في عالم الكتابة، فقد تُرجِمَت إلى 67 لغة، مما جعلها تدخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية لأكثر كتاب مترجم لمؤلف على قيد الحياة، وقد بيع منها 65 مليون نسخة في أكثر من 150 بلدًا، مما جعلها واحدة من أكثر الكتب مبيعًا على مر التاريخ.
هذه الرواية تحفز القارئ و تشجعه على التمسك بأحلامه و تحقيق اسطورته الشخصية، فهي تفيض بالحكمة و توضح لنا كيف أننا قد نسافر إلى مشارق الأرض ومغاربها بحثاً عن كنزنا، في حين أن كنزنا تحت أقدامنا ” إن من يسعى نحو حلمه بكل صدق وإصرار فآن كل شيء سيكون بجانبه حتى الجماد”.
تحكي الرواية قصة الراعي الإسباني سنتياغو في رحلته لتحقيق حلمه الذي تكرر أكثر من مرة الذي تدور أحداثه حول كنز مدفون في الأهرامات بمصر ووراء هذا الحلم ذهب سانتياغو ليقابل في رحلته الإثارة، الفرص، الذل، الحظ والحب. ويفهم الحياة من منظور أخر وهو روح الكون.
واستلهم الكاتب حبكة القصة من قصة بورخيس ( كاتب ارجنتيني يعتبر من أبرز كتاب القرن العشرين) القصيرة حكاية حالمين.

(خورخي لويس بورخيس)
اقتباسات من الرواية :
– ” إذا رغبت في شيء.. فإن العالم كله يطاوعك لتحقيق رغبتك.”
– ” قال الخيميائي : قل لقلبك أن الخوف من العذاب أسوأ من العذاب نفسه ، وليس هناك من قلب يتعذب عندما يتبع أحلامه ، لأن كل لحظة من البحث هي لحظة لقاء مع الله والخلود .”
– ” إنني لا أحيا في ماضيَّ، ولا في مستقبلي. ليس لي سوى الحاضر، وهو وحده مايهمني. إذا كان باستطاعتك البقاء دائمًا في الحاضر، تكون عندئذ إنسانًا سعيدًا.”