Translate

الجمعة، 4 يناير 2013

مختصر أحكام المسح على الخفين


 


آراء العلماء فى نفس المسألة

مختصر أحكام المسح على الخفين

عبد الرحمن بن صالح السديس
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ،
والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ،


فمن مظاهر التيسير في هذه الشريعة السمحة أن شرع الله لنا المسح
 على الخفين والجوارب ونحوها .
ولما كان المسح لا يحتاج إليه أكثر الناس إلا في الشتاء
 حسن التذكير ببعض مسائله.
وسأذكر أهم ما يحتاج إليه على شكل مسائل وربما أذكر الدليل أو التعليل باختصار .

1- يشترط لجواز المسح: أن يكون الخف طاهرًا.
فلا يصح المسح على ما كان مصنوعا من جلد نجس ،
 ولا على متلوث بنجاسة .

2- أن يُلبس بعد تمام الطهارة لقوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة :

( دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين )
 متفق عليه .

3- وهل يجوز أن يمسح مَن توضأ فغسل الرجل اليمنى ثم لبس
 الخف قبل أن يغسل اليسرى ؟
الأَوْلى أن لا يسمح لأنه لبس الخف على اليمنى قبل أن تتم طهارته .
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية جوازه .

4- الواجب مسح أعلى الخف، وطريقته:
 أن يبلل يديه ثم يبدأ من أصابعه إلى الساق  ولا يسن مسح أسفله ولا عقبه، 
  ودليله قول الإمام علي رضي الله عنه:

( لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه
 وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه )
 رواه أبو داود ، وقال ابن حجر في التلخيص: إسناده صحيح.

5- هل يبدأ بمسح الرجل اليمنى قبل اليسرى أو يمسحهما معا ؟
قيل: الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم مسحهما معا ؛ فلم يُذكر أنه بدأ باليمنى.
وقيل: المسح بدل الغسلِ ، والغسلُ يستحب فيه التيامن ؛ فله حكمه.

6- هل الأفضل غسل الرجلين أو المسح على الخفين ؟
الأفضل أن لا يتكلف الإنسانُ ضدَ حالِه ،
فإن كان لابسا للخفين  فالأفضل له المسح ،
وإن لم يكن لابسا فالأفضل له الغسل .
كما هو ظاهر هدي النبي صلى الله عليه وسلم .

7 – مدة المسح يوم وليلة للمقيم ، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر،
 لحديث علي رضي الله عنه :

( جعل رسول الله صلى الله عليه و سلم
ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم )
 رواه مسلم.

8- تبدأ مدة المسح من أول مسح بعد الحدث، على القول الصحيح ،
مثاله:
توضأ ثم لبس الخف قبل المغرب، ثم بعد المغرب أحدث ثم توضأ للعشاء
ثم مسح على الخف، فهذا أول مسح له بعد الحدث ،
فيحسب مدة 24 ساعة من حين مسحه إن كان مقيمًا و72 ساعة
 إن كان مسافرًا.
وفي هذا المثال لو أنه لم يحدث بعد المغرب لكنه جدد الوضوء للعشاء
 ومسح على الخف، فمسحه هنا ليس بعد الحدث لأنه على طهارة،
 فلا يبدأ بحساب المدة من هذا المسح.

9 – إذا مسح في الحضر
أقل من يوم وليلة ثم سافر فإنه يكون حكمه حكم مسح المسافر 72 ساعة
، على القول الصحيح.

10 – وعكس ذلك: إذا مسح في السفر ثم عاد لبلده ؛ فإن كان قد مسح
مدة يوم وليلة فقد انتهت مدته ،
 وإن كان مسح أقل من يوم وليلة فله أن يتم مدة مسح المقيم 24 ساعة.

11 – ما حكم المسح على الخف المخرق ؟
اختلف العلماء ، والصحيح جوازه مادام يسمى خفا .
ليس في النصوص دليل على اشتراط سلامته من الخروق ؛ بل هي مطلقة ،
ويبعد أن تكون خفاف الصحابة سالمة من الخروق ،
فهذا كما ترى مما تعم البلوى به ، ولا يمكن أن يتركه
النبي صلى الله عليه وسلم من غير بيان ، فالواجب إطلاق ما أطلقه الشارع .

12– ما حكم المسح على الجورب الخفيف ؟
اختلف العلماء في المسح عليه ، والصحيح جوازه ؛ إذ ليس المقصود
منه ستر البشرة ، وإنما المقصود منه نفع الرِّجْل، وإنما جاز المسح عليه ؛
لأن في نزعه مشقة وهذا يستوي فيه الجورب الخفيف والثقيل .

13 – إذا لبس خفا ثم لبس عليه آخر قبل أن يحدث فله مسح أيهما شاء .

14 – إذا لبس خفا ثم أحدث ثم لبس عليه آخر قبل أن يتوضأ؛
 فالحكم للأول [التحتاني].

15 – إذا لبس خفًا ثم أحدث ثم مسح عليه ،
ثم لبس عليه آخر
فقيل: لا يمسح على الثاني .
وقيل : له المسح عليه ؛ لأنه لبسه على طهارة ،
ويكون ابتداء المدة من مسح الأول .

16 – إذا لبس خفا على خف، ومسح الأعلى ثم خلعه ،
 فهل يمسح بقية المدة على الأسفل ؟

يجوز له أن يمسح على الأسفل حتى تنتهي المدة من مسحه على الأعلى.

17 – إذا خلع الخف بعد مسحه  لم تنتقض طهارته بذلك،
على القول الصحيح .
واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية .

18 – إذا انتهت مدة المسح  لم تنتقض طهارته بذلك،
 على القول الصحيح .
واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية .

19- إذا شك في بقاء مدة المسح  لا يجوز له المسح؛
لأنه رخصة جازت بشرط فإن لم يتحقق بقاء شرطها رجع إلى الأصل،
 فيجب الغسل .

20- إذا نسي ومسح بعد انتهاء مدة المسح ثم صلى  فصلاته باطلة ؛
 لأن وضوءه باطل، وعليه أن يعيد الصلاة فورًا .

21- ما الحكم إذا خلع بعض الشراب ليحك قدمه ؟
إن خلع جزءًا يسيرا  فلا يضر ،
وإن خلع كثيرًا بطل المسح عليهما في المستقبل.

والله أعلم وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وسلم تسليما.

* باختصار وتصرف من رسالة "المسح على الخفين" للعلامة العثيمين ،
وكتاب "أحكام المسح على الحائل" للشيخ الدبيان،
 وغيرها كالمغني والفروع والإنصاف.
* يحسن بك أن تتذاكر هذه المسائل مع أهلك أو إخوانك ،
 أو طلابك أو .. لتعم الفائدة.

الفرق بين النصيب والكفل





الفرق بين النصيب والكفل
 محمد إسماعيل عتوك
 قال الله تعالى : ﴿ مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَ مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا و َكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً ﴾ ( النساء: 85 ) .

فاستعمل سبحانه لفظ ( النصيب ) مع الشفاعة الحسنة ، و استعمل لفظ       ( الكفل ) مع الشفاعة السيئة ، فدل على أن بينهما فرقًا في المعنى .

و أكثر المفسرين على القول بأن النصيب ، و الكفل بمعنى واحد ، و هو الحظ ، أو المِثْل ، إلا أن الثاني أكثر ما يستعمل في الشر ؛ كاستعماله – هنا - في الشفاعة السيئة .

و فرَّق بعضهم بينهما بأن النصيب يزيد على المثل ، و الكفل هو المِثْلُ المساوي ، فاختار تعالى النصيب مع الشفاعة الحسنة ؛ لأن جزاء الحسنة يضاعف بعشرة أمثالها ، و اختار الكِفْلَ  مع الشفاعة السيئة ؛ لأن من جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها .

و هذا القول مبنيٌّ على اعتبار أن ( من ) في قوله تعالى :﴿ مِنْهَا ﴾ ، في الموضعين ، للسبب ، وعلى اعتبار أن جزاء الشفاعة الحسنة كجزاء فعل الحسنة ، و جزاء الشفاعة السيئة كجزاء فعل السيئة ، قياسًا على قوله تعالى :

﴿ مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ ( الأنعام: 160 ) .

وعليه يكون المعنى : من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب بسببها ، و من يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل بسببها . أي : يكن لكل منهما ذلك بسبب شفاعته .. و هذا خلاف ما نصَّت عليه الآية الكريمة من المعنى تمامًا ؛ لأن ( من ) في قوله تعالى : ﴿ مِنْهَا ﴾ ، في الموضعين، ليست للسبب ؛ و إنما هي للتبعيض . و المراد من الآية الكريمة : أن للشفيع ، الذي يشفع في الحسنة ، نصيبًا من جزاء المشَفَّع على شفاعته ، وأن للشفيع ، الذي يشفع في السيِّئة كِفْلاً من جزاء المشَفَّع على شفاعته .

فههنا شَفيعٌ ، و مُشَفَّعٌ ، و مُشَفَّعٌ له ، و شَفاعَةٌ . و الشفاعةُ نوعان: حسنة، وسيئة. فالشفاعة الحسنة هي التي يُراعَى بها حق المسلم، فيُدفَع بها عنه شر، أو يُجلَب بها إليه خير، ابتغاء مرضاة اللهتعالى. وأما الشفاعة السيئة فهي التي تكون في معصية الله ابتغاء لجاه أو غيره، وأعظمُها جُرْمًا ما كان في حَدٍّ من حدود الله تعالى.

وورد في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:” من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى، فقد ضادَّ الله تعالى في ملكه، ومن أعان على خصومة بغير علم، كان في سخط الله تعالى حتى ينزع “. قال الألوسي تعقيبًا على الخبر:” واستثني من ذلك الحدود في القصاص، فالشفاعة في إسقاطه إلى الديَّة غير محرمة “.

وروى أبو داود عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” مَنْ شَفَعَ لأحَدٍ شَفَاعَةً ، فأهدى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا ، فَقَبِلَهَا ، فَقَدْ أتى بَاباً عَظِيماً مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا “.

وروت عائشة- رضي الله عنها- في الحديث الصحيح:” أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ إلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ؟ وَأََيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا “.

فإذا كانت الشفاعة في حق، كان لصاحبها من أجرها، الذي يستحقه المُشفَّع أجرٌ حسنٌ. وهذا ما عَبَّر عنه تعالى بلفظ ( النصيب )، ومعناه في اللغة: الحظ الجيد المعيَّن من الشيء. تقول: هذا نصيبي. أي: حظي. قال تعالى:

﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾( النساء: 7 ).

ثم قال:﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ﴾( النساء: 11 )، فدل على أن النصيب هو الحظ المعين، وأن هذا النصيب تابع للتركة في الزيادة، والنقصان. ونحو ذلك قول إبليس اللعين:﴿ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾( النساء: 118 )

واشتقاقه من النَّصْب، بإسكان الصاد، وهو إقامة الشيء في استواء، وإهْداف، ووضعُه موضعًا ناتئًا؛ كنصْب الرمح، والحجر في الأرض.والنصْبُ، والنصيبُ حجر كان ينصَبفي الأرض، فيعبَده العرب في الجاهلية.

وإذا كانت الشفاعة في باطل، كان لصاحبها من أجرها، الذي يستحقه المُشفَّع أجرٌ رديء. وهذا ما عَبَّر عنه تعالى بلفظ ( الكفل )، وهو من الأجر والإثْم: الضِّعْفُ، في أصح الأقوال. وأصله مركَب يُهَيَّأ على ظهر البعير، أو كساء يدار حول سنامه، وأكثر ما يستعمل في الشرِّ. ومنه ما جاء في الصحيحين من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ “.. وقد يستعمل في الخير، ومنه قول الله تعالى:

﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾( الحديد: 28 )

ولهذا كانت عقوبة الشفاعة السيئةفي الإثم، والمؤدية إلى إسقاط الحقعظيمة عند الله تعالى تتناسب مع المعنى، الذي يؤديه لفظ الكفل، وليس كذلك السيئة، التي تجزى بمثلها. وكذلك كان ثواب الشفاعة الحسنة المؤدية إلى إحقاق الحق يتناسب مع المعنى، الذي يؤديه لفظ النصيب. فإذا عرفت ذلك، تبين لك السِّرُّ في اختيار ( النصيب ) للشفاعة الحسنة، و( الكفل ) للشفاعة السيئة ترغيبًا في الأولى، وتنفيرًا من الثانية.

ومما ينبغي أن يعلَم أيضًا أن الحديث عن الشفاعة بنوعيها يخص قومًا بعينهم، وأن أصحاب الشفاعة السيئة أكثر من أصحاب الشفاعة الحسنة، وأن وجودهم في المجتمع من أخطر الآفات، التي تهدد سلامته؛ ولهذا كانت عقوبتهم مضاعفة. أما الحديث عن فعل الحسنة، وفعل السيئة فهو حديث عام يعم أفراد المجتمع كلهم. ومن لطف الله تعالى بعباده أن جعل جزاء السيئة سيئة مثلها، ومن منِّه وكرمه سبحانه أن جعل جزاء الحسنة بعشرة أمثالها، ويزيد من فضله لمن يشاء. ومن هنا لا يجوز قياس الشفاعة الحسنة والشفاعة السيئة على فعل الحسنة وفعل السيئة.  

وشيء آخر ينبغي أن يعلم ، وهو أنه لما كان الجزاء بالنصيب، والكفل من الأمور، التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى ، ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله:

 ﴿ وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً ﴾

فبين سبحانه أنه كان وما زال ولا يزال شاهدًا وحفيظًا وحسيبًا على هذه الأعمال، ومجازيًا على كل عمل بما يناسبه ، وقادرًا على إيصال النصيب والكفل من الجزاء إلى الشافع مثل ما يوصله إلى المشفوع فيه كاملاً، لا ينتقص بسبب ما يصل إلى الشافع شيء من جزاء المشفوع.

والمُقيت من أسماء الله تعالى، وفسّره الغزالي بموصل الأقوات، فيؤول إلى معنى الرازق، إلا أنه أخص، وبمعنى المستولي على الشيء، القادر عليه، فيكون راجعًا إلى القدرة والعلم. والظاهر أنه جامع للمعاني السابقة كلها.. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم إنه خير مسؤول . 




يدخل فقراء المؤمنين قبل الأغنياء إلى الجنة بخمس مائة عام










صيد الخاطر لابن الجوزي  - بادر بطي صحيفتك







   إنما خلقنا لنحيا مع الخالق في معرفته و محادثته و رؤيته في البقاء الدائم.
   
و إنما ابتدئ كوننا في الدنيا لأنها في مثال مكتب نتعلم فيه الخط و الأدب ليصلح الصبي عند بلوغه للرتب .
   
فمن الصبيان بعيد الذهن يطول مكثه في المكتب و يخرج و ما فهم شيئاً .
   
و هذا مثال من لا يعلم و جوده ، و لا نال المراد من كونه .
   
و من الصبيان من يجمع مع بعد ذهنه ، و قلة فهمه و عدم تعلمه أذى الصبيان ، فهو يؤذيهم ، و يسرق مطاعمهم ، و يستغيثون من يده ، فلا هو صلح ، و لا فهم و لا كف عن الشر .
   
و هذا مثل أهل الشر و المؤذيين .
   
و من الصبيان من علق بشيء من الخط لكنه ضعيف الاستخراج رديء الكتابة ، فخرج و لم يعلق إلا بقدر ما يعلق به حساب معاملته .
   
و هذا مثل من فهم الشيء و فاتته الفضائل التامة .
   
و منهم من جود الخط و لم يتعلم الحساب ، و أتقن الأدب حفظاً ، غير أنه قاصر في أدب النفس .
   
فهذا يصلح أن يكون كائباً للسلطان على مخاطرة لسوء ما في باطنه من الشره و قلة التأدب .
   
و منهم من سمعت همته إلى المعالي الكاملة ، فهو مقدم الصبيان في المكتب ، و نائب عن معلمهم ، ثم يرتفع عنهم بعزة نفسه ، و أدب باطنه ، و كمال صناعة الأدب الظاهرة .
   
و لا يزال حاث من باطنه يحثه على تعجيل التعليم ، و تحصيل كل فضيلة ، لعمله أن المكتب لا يراد لنفسه بل لأخذ الأدب منه ، و الراحلة إلى حالة الرجولية و التصرف ، فهو يبادر الزمان في نيل كل فضيلة .
   
فهذا مثل المؤمن الكامل يسبق الأقران التجاري ، و يعرض لوح عمله جيد الخط ، فيقول بلسان حاله هاؤم اقرؤوا كتابيه .
   
و كذلك الدنيا و أهلها . من الناس هالك بعيد عن الحق ، و هم الكفار .
   
و منهم خاطئ مع قليل من الإيمان ، فهو معاقب ، و المصير إلى خير . و منهم سليم ، لكنه قاصر .
   
و منهم تام ، لكنه بالإضافة إلى من دونه ، و هو ناقص بالإضافة إلى من فوقه .
   
فالبدار البدار يا أرباب الفهوم ، فإن الدنيا معبر إلى دار إقامة ، و سفر إلى المستقر و القرب من السلطان و مجاورته ، فتهيئوا للمجالسة ، و استعدوا للمخاطبة ، و بالغوا في استعمال الأدب ، لتصلحوا للقرب من الحضرة .
   
و لا يشغلكم عن تضمير الخيل تكاسل ، و ليحملكم على الجد في ذلك تذكركم يوم السباق .
   
فإن قرب المؤمنين من الخالق على قدر حذرهم في الدنيا .
   
و منازلهم على قدر ، فما منزل النفاط كمنزل الحاجب ، و لا منزل الحاجب كمكان الوزير .
   
جنتان من ذهب ، آنيتهما و ما فيهما . و جنتان من فضة ، آنيتهما ، و ما فيهما ، و الفردوس الأعلى لآخرين .
   
و الذين في أرض ينظرون أهل الدرجات كما يرون الكوكب الدري ، فليتذكر الساعي حلاوة التسليم إلى الأمين .
   
و ليتذكر في لذاذة المدح يوم السباق . و ليحذر المسابق من تقصير لا يمكن استدراكه .
   
و ليخف من عيب يبقى قبح ذكره .
   
هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن ، أزرى بهم اتباع الهوى ، ثم لحقتهم العافية فنجوا بعد لأي ، فليتعظ و ليصبر عن المشتهي ، فالأيام قلائل .
    
يدخل فقراء المؤمنين قبل الأغنياء إلى الجنة بخمس مائة عام ، فالجد الجد ، بإقدام المبادرة .
   
فقد لاح العلم خصوصاً لمن بانت له بانة الوادي ، إما بالعلم الدال علىالطريق ، و إما بالشيب الذي هو علم الرحيل ، و هو ما يأمله أهل الجد .
   
و كان الجنيد يقرأ وقت خروج روحه ، فيقال له في هذا الوقت ! فيقول : [ أبادر طي صحيفتي  . [
   
و بعد هذا ، فالمراد موفق ، و المطلوب معان . و إذا أرادك لأمر هيأك له