كانت سامية التمتامي أول سيدة عربية تتخصص فى الجينات البشرية وقراءة الكروموسومات، فتفك شفراتها، وتنتقل بعدها من مرحلة التشخيص إلى إرساء مراحل الوقاية والعلاج في المنطقة العربية. وكان قرار العودة إلى مصر بعد التخصص محسوماً منذ البداية. وبدا أنه كان قراراً ضمائرياً بالأساس. فهى تتساءل في دهشة: "إذا ذهب الجميع إلى الولايات المتحدة بلا عودة، فكيف يمكن أن تتقدم تلك الأوطان الفقيرة؟"تبرز الدكتورة سامية التمتامي (شباط/ فبراير 1935 – حزيران/ يونيو 2021) كأيقونة طبية عالمية، في أحد أهم التخصصات وأكثرها دقة وصعوبة. فهي أول سيدة عربية تتخصص فى الجينات البشرية وقراءة الكروموسومات، فتفك شفراتها، وتنتقل بعدها من مرحلة التشخيص إلى إرساء مراحل الوقاية والعلاج في المنطقة العربية.
لم تكن أبحاثها مجرد معطيات جافة أو أرقام صماء، إذ نظرت إلى الكروموسومات لا كأشكال مجهرية، بل كأبجدية الكون الأولى، وحاولت في رحلة صبر استثنائية أن تفك طلاسم ذلك الحزن المختبئ في جينات الأطفال في ذلك الوقت الصعب، الذي كان فيه علم الجينات لا زال في مبتدأه. فكانت كل "متلازمة" تكتشفها سامية التمتامي بمثابة استرداد قطعة مفقودة من أسرار ذلك الغموض الكبير الذى أحاط بتلك الأمراض الصامتة، فيما كانت تلك الأمراض تتحدى المعطيات المتوافرة من العلوم الطبية، وتنهش فى أجساد الأطفال فى غيبة العلم والتشخيص.
البداية
ولدت سامية التمتامي في مدينة دمنهور في محافظة البحيرة عام 1935 قبل أن تنتقل مع أسرتها إلى القاهرة. وعندما صارت فى العاشرة من عمرها كانت قد حددت وجهتها التعليمية إلى كلية الطب، لسبب قدري، هو قيام الشاعر الطبيب إبراهيم ناجي بعلاجها من مرض التيفوئيد الذى ألمّ بها. كان لطف الطبيب ورقّته وتعامله الإنساني معها، ثم تأكيده للأسرة أن تلك الطفلة متوقدة الذهن سريعة البديهة، وسوف تصبح طبيبة يوماً ما، أحد أبرز المحددات التى رسمت سني حياتها بعد ذلك.
مقالات ذات صلة
أثر الفراشة: إبراهيم النبراوي نموذجاً
فى تلك الفترة كانت سامية قد عززت تفوقها خلال سنوات الدراسة قبل الجامعية، ما أسهم في حصولها على مجانية التعليم الذى لم يكن حينها مجانياً. وحين التحقت بمدرسة الأميرة فوزية الثانوية للبنات، كان أخوها الأكبر سعيد قد سبقها إلى كلية الطب، فبدأت تقرأ في تلك الكتب التى أحضرها إلى البيت، وتفهم بسهولة تلك العلوم التى استهوتها تماماً.
وفي مستهل الخمسينيات من القرن الماضي، التحقت سامية التمتامي بكلية طب القصر العيني. وفي تلك الفترة، بدأت تتعرف للمرة الأولى على أمراض وتشوهات الأطفال التي لم تكن تدرك لها سبباً محدداً، فلم يكن علم الوراثة البشرية قد استطاع تفكيك أسرارها بعد... قالت: "كانت تلفت نظري بشدة تلك الأمراض التى يصاب بها هؤلاء الأطفال، وكنت أتساءل مندهشة لماذا وُلد ذلك الطفل بست أصابع! لماذ لا توجد له يد؟ لماذ يحمل وجهه تلك السمات والخصائص الغريبة؟
وفي عام 1957، حصلت على بكالوريوس الطب، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف فى تلك الدفعة، التي ضمت بين متخرِّجيها أيضاً الطبيب النابغة مجدي يعقوب.
كانت سامية التمتامي قد عززت تفوقها خلال سنوات الدراسة قبل الجامعية، ما أسهم في حصولها على مجانية التعليم الذى لم يكن حينها مجانياً. وحين وصلت إلى جامعة جونز هوبكنز بولاية ماريلاند في الولايات المتحدة الأمريكية، للحصول على الدكتوراه، كان يجب أن تحصل على العلامات الكاملة في الاختبارات الأولية، التى خاضتها كشرط لقبول منحتها ودراستها في تخصص علم الوراثة.عقب تخرجها تمّ تعيينها للعمل فى مستشفى أبو الريش للأطفال التابع للجامعة، وإحدى أكبر مستشفيات الأطفال فى مصر، ثم حصلت على دبلوم التخصص في طب الأطفال. وعن تلك الفترة تقول: "كان عملي في تلك المستشفى هو الأساس في اهتمامي بتلك الحالات المستعصية من أمراض الأطفال. كنت أقف أمام هذه الحالات فى حيرة وعجز، أتألم لألمهم، وأحاول بالوسائل المتاحة اكتشاف أسبابها بلا جدوى.. كانت تلك الحالات لغزاً، لكننىي كنتُ شغوفة بالألغاز"(1).قبل تخرج سامية بسنة واحدة، تم اكتشاف العدد الأصلي للكروموسومات على يد العالم الأندونيسى الأصل جو هين تيو، بالتعاون مع زميله السويدي ألبرت ليفان، وصار العالم أمام حقيقة أن عدد الكروموسومات هو 46 كروموسوماً وليس 48، كما كان مثبتاً في المراجع الطبية قبل ذلك، مما فتح الباب أمام فهم الأمراض الوراثية الناتجة عن خلل في عدد الكروموسومات، مثل متلازمة "داون "، التي اكتُشِف لاحقاً أنها تنتج عن وجود كروموسوم زائد. كما ساعد اكتشاف العدد الحقيقي للكروموسومات على فتح آفاق جديدة لمعرفة مسببات كثيرٍ من الأمراض.
السفر
تزوجت الدكتورة سامية التمتامي من زميلها الطبيب مصطفى رأفت محمود، ثم سافرا للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة جونز هوبكنز بولاية ماريلاند في الولايات المتحدة الأمريكية. وهناك كان عليها الحصول على العلامات الكاملة في الاختبارات الأولية، كشرط لقبول منحتها ودراستها في تخصص علم الوراثة.
بعدها، تتلمذت مع خمسة من زملائها على يد الأستاذ فيكتور مكيوزك، رائد هذا العلم على مستوى العالم، الذى يقول عنها: "الدكتورة التمتامي واحدة من رائدات علم الوراثة البشرية على مستوى العالم، كانت رسالتها للدكتوراه حول دراسة تشوهات اليد لدى الأطفال، وما فعلته هو جمع كل الحالات التي استطاعت جمعها للأشكال المختلفة لتلك التشوهات والعمل عليها".
وعن تلك الحالات، تقول الدكتورة سامية: "كانت الفوضى في أمراض تشوهات الأطراف لدى الأطفال عارمة. فقمت بتقسيمها وتصنيفها إلى مجموعات، كل مجموعة تختلف عن الأخرى في المظهر والوراثة والأجزاء الأخرى من الجسم، التي تحمل أمراضاً مرتبطة. كانت تلك هي المرة الأولى التي يتم فيها اقتحام ذلك الجزء الطبي من أمراض الأطفال في العالم، وعندها شعرت أن هذه الدراسة سوف تفتح آفاقاً جديدة أمام العالم في التصدي لتلك الأمراض".
وقعت دراسة التمتامي في 600 صفحة، مدعّمة بالصور والبحث المنهجى شديد الدقة، ولا تزال رسالتها فى ذلك الفرع المهم هي العمدة، التي يرجع إليها الأطباء حتى الآن. وكانت أول عربية حصلت على الدكتوراه فى ذلك الفرع الدقيق من العلوم الطبية.
العودة إلى مصر
كان قرار العودة محسوماً منذ البداية. وبدا أنه كان قراراً ضمائرياً بالأساس. فهى تتساءل في دهشة: "إذا ذهب الجميع إلى الولايات المتحدة بلا عودة، فكيف يمكن أن تتقدم تلك الأوطان الفقيرة؟"
مقالات ذات صلة
نزيف الكوادر الطبية في مصر.. لماذا يفقد القطاع الصحي أطباءه
عادت الدكتورة سامية التمتامي إلى مصر في عام 1966، وكان من دواعي سرورها أن ذلك الشاعر الطبيب الذي قام بعلاجها فى سن العاشرة، وكان سبباً مهمّاً في توجيه ميولها إلى مهنة الطب، قد صار حديث الوطن العربي، عندما شدت السيدة أم كلثوم بقصيدته "الأطلال"، للمرة الأولى في السابع من نيسان/ أبريل من العام نفسه، فتوسّد المجد بعد رحيله بثلاثة عشر عاماً.
تدشين علم الوراثة فى مصر
بدأت سامية في وضع اللبنات الأولى لعلم الوراثة البشرية في المركز القومي للبحوث، كأول مركز متخصص في مصر والشرق الأوسط، ثم قامت بتعليم تلامذتها تباعاً. وكانت حريصة على وجود أكثر من متعلِّم متفرغ للبحث. ثم أنها استطاعت مواكبة كل تطور طرأ على ذلك العلم منذ مغادرتها الولايات المتحدة وعودتها إلى مصر.
وعلى العكس من المفهوم الشائع للتعليم الطبي في مصر، الذي يعاني في أحوال كثيرة من تعنّت الأساتذة مع التلاميذ في نقل المعلومات والخبرات، نتيجة النظام الهرمي شديد الصرامة، الذي يعطي سلطات واسعة جداً للأساتذة تصل إلى حد التسلط، والتعامل مع الخبرات الطبية على أنها من "أسرار الصنعة" التي لا ينبغي منحها بسهولة.. فقد حرصت سامية التمتامي على منح كل خبراتها لهؤلاء التلاميذ، بلا تحفظ.. فيقول الدكتور يحيى زكريا جاد، أستاذ الوراثة وأحد تلامذتها: "هناك بعض الأساتذة لديهم قلق من بعض التلاميذ خشية المنافسة، إلا أن تلك السيدة لم يكن لديها ذلك الشعور على الإطلاق. فعلاوة على دقتها العلمية، التي لم أرَ لها نظيراً فيمن عرفت، فهي أيضاً منحت علمها بسخاء للجميع".
وقعت دراسة التمتامي فى 600 صفحة، مدعمة بالصور والبحث المنهجى شديد الدقة، ولا تزال رسالتها فى ذلك الفرع المهم هي العمدة، التي يرجع إليها الأطباء حتى الآن. وكانت أول عربية حصلت على الدكتوراه فى ذلك الفرع الدقيق من العلوم الطبية. والتقديرات، منها جائزة الدولة التقديرية عام 2000 ووسام الجمهورية للعلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 2013، وجائزة مؤسسة هوغو للجينوم البشري لقارة أفريقيا عام 2017، وجائزة النيل للعلوم الطبية، وهي أرفع جائزة علمية فى مصر، بالإضافة إلى عدد من الجوائز، التي حصلت عليها من كل من النمسا وبريطانيا وألمانيا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية.
فى الأول من حزيران/ يونيو عام 2021 غادرتنا السيدة إلى رحاب الله بعد عمر حافل بالعطاء والعمل، وتركت إرثاً علمياً باذخاً في عقول مئات العلماء على امتداد الوطن العربي والعالم، لا يزالون يعكفون في مختبرات البحث على استنطاق تلك الجينات الصامتة، التي تحوي بين جزيئاتها أسرار تلك الأمراض.. من أي جدّ بعيد انحدرت وتوطنت، وإلى أيّ حفيد عابر سوف تنتقل.
يحاول العلم الآن أن يقوم بإسكات تلك الجينات المشوِّهة ومحاولة استبدالها بنسخ سليمة، وهي أبحاث لا تزال تحت الدراسة الصبورة المتأنية.
______________________